مقدِّمة الترجمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لِـلَّهِ، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وآله أهل الله، وصحبه أنصار الله، ومن سار على نهجهم إلى يوم لقاء الله، وبعد،

من العقائد التي وجدت منذ القديم بين المسلمين وشغلت حيزاً من تاريخهم، الإيمان بقيام مصلح باسم المهدي يظهر في آخر الزمن، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تمتلئ ظلماً وجوراً، وقد ظهر كثيرون في قرون الإسلام الأولى وما بعدها ادعى هذا المنصب، وقد رويت أحاديث وأخبار في كتب الفريقين حول ظهور مهديٍّ في آخر الزمن.

إلا أن هذه العقيدة البسيطة أخذت لدى الفكر الإمامي الإثني عشـري منحى آخر إذ اعتبروا أن هذا المهدي قد ولد فعلاً منذ أكثر من ألف ومائتي عام، وأنه ابن الإمام الحسن العسكري، وأنه غاب بعد ولادته بخمسة أعوام واستتر عن الأنظار، وهو لا يزال حياً غائباً وسيظهر في آخر الزمن عندما يأذن له الله بالظهور. وازدادت أهمية هذه العقيدة لدى الإمامية يوماً بعد يوم، وأحيطت بهالة من التصورات المغالية والمبالغات والقصص العجيبة ونشأ حولها كمٌّ كبير من الأخبار والقصص والآثار.

وقد قام مؤلف هذه الرسالة الأستاذ «م. عبد اللهي» - [وهو أستاذ فاضل معاصر من أهالي طهران قد التقيتُ به قبل عقدين وهو الآن في الخامسة والخمسين من عمره ويعمل حالياً موظفاً في إحدى الدوائر] – وهو من الشيعة المستبصرين للحق المنادين بتصحيح العقائد الذين يطلق عليهم البعض اسم «القرآنيين الشيعة» ومن رفقاء الأستاذ قلمداران وآية الله البرقعي والسيد الطباطبائي، المنتمين إلى مدرستهم الإصلاحية الداعية إلى إعادة النظر في بعض العقائد الشيعية الإمامية الموروثة - قام بدراسة مركَّزة لمستندات ووثائق ولادة هذا المهدي المنتظر في كتب الشيعة الإمامية، فوجد أن هذه العقيدة الهامة جداً في الفكر الإمامي والتي كان من المفترض أن تكون أدلتها قوية وقاطعة بما يتناسب مع حجم أهميتها، لا تستند إلا إلى أخبار وقصص متناقضة ومتضاربة يكذِّبُ بعضها بعضهاً، وإلى تأويلات لبعض الآيات القرآنية بادعاء أنها تتكلم عن المهدي المنتظر رغم أنه ليس في ألفاظها أي دلالة صريحة على ذلك. ولاحظ المؤلِّف أن فكرة المهدي الغائب المنتظر كانت قديمة لدى فرق الشيعة، ثم بعد وفاة الإمام الحادي عشر أي الإمام الحسن العسكري، انقسم شيعته إلى فرق عديدة معظمها كان يؤكد أنه لم يخلف أي ولد. وبالتالي رأى المؤلف أن هذه العقيدة الشيعية رغم شهرتها البالغة لا تستند إلى أساس محكم ودليل موثوق، بل هي عقيدة مصطنعة.

وقد نقد المؤلف خلال بحثه أيضاً بعض العقائد الشيعية المغالية الأخرى مثل عقيدة الرجعة، والطعن بالشيخين والخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، ففندها وبين بطلانها بأدلة محكمة من القرآن الكريم ومن أحاديث العترة الطاهرة.

ويمكن تلخيص الأدلة التي اعتمدها المؤلف في تفنيد فكرة المهدي الغائب بالنقاط الثلاث التالية:

الأولى: استعراض الروايات التي تتحدث عن ولادته ونموه وغيبته وبيان تضاربها وتناقضها.

الثانية: تفنيد الاستدلال على المهدي المنتظر بآياتٍ من القرآن، ببيان المعنى الصحيح الواضح لهذه الآيات وأنها لا تتضمن أي دلالة على المهدي.

الثالثة: النقد التاريخي حيث استدل بتشعب وتفرق شيعة الإمام الحادي عشـر بعد وفاته إلى فرق عديدة أغلبها ينكر وجود خلف له.

وهذا من الجدير بالذكر أن للمؤلف المحترم كتابٌ قيِّمٌ ممتاز آخر باسم «اسلام ناب» [أي الإسلام النقيّ الأصيل] نشره عام 1425 هـ. ق. (أي قبل خمس سنوات من الآن) يقع في 244 صفحة، نقد فيه جملة من الأمور والممارسات والعقائد الخاطئة لعوام الشيعة والصوفية الغلاة، المخلّة بالتوحيد، وكتب فيه مباحث نقدية جيدة حول المفاهيم الخاطئة المنتشرة لدى قومه حول التوسل والشفاعة ونظرية الإمامة (الاثني عشرية) وطقوس العزاء الحسيني والغلو، وقد ضمن قسماً من كتابه الحالي الذي ترجمناه هنا في آخر كتابه «اسلام ناب» هذا خلال معالجته لموضوع «إمام الزمان» أي المهدي الغائب المنتظر.

هذا ما وددت ذكره في هذه المقدمة وفي الختام أذكِّر بأن الحواشي في هذا الكتاب الذي نقدمه بين يدي القراء هي للمترجم (راقم هذه السطور) سوى حاشيتين للمؤلف ميزتهما بكلمة (المؤلف).. والحمد لِـلَّهِ أولاً وآخراً وهو وليُّ التوفيق والقادر عليه.

المتـرجم