مقدِّمة المترجم
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لِـلَّهِ رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الطيِّبين الطاهرين، وصحبه الأخيار الميامين، وبعد،
فمما لا شك فيه أن الابتعاد عن القرآن الكريم أهم سبب من أسباب انتشار الأفكار الخاطئة والبدع المضلة بين المسلمين، وأهم سبب لوقوع الفرقة والاختلاف بينهم؛ كما أنه مما لا ريب فيه أن العودة إلى كتاب الله تعالى والاستظلال بظله والاعتصام بحبله هو السبيل الوحيد للخلاص من كل ما شاب عقائد المسلمين وممارساتهم من شوائب بعيدة عن روح الإسلام، وهو الطريق الكفيل بإيجاد الاتحاد من جديد بين أبناء الأمة، وهذا ما بينه الله عز وجل بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا...﴾ [آل عمران/103]، حيث فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حبلَ الله بالقرآن فقال: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض»( 1 )، كما أمر الله عزَّ وجلَّ بالعودة إلى القرآن عند التنازع والاختلاف بوصفه العصمة من الضلال فقال: ﴿..فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء/59]، فهذه الآية الكريمة تحدِّد بشكل كلِّيٍّ المرجع الذي يجب أن يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف والتنازع، وهو الرد إلى الله والرسول، فالردُّ إلى الله، الأخذ بمحكم كتابه، والردُّ إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرّقة.
وقد ورد مثل هذا التفسير عن سيد العترة النبوية وأميرها أسد الله الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال: «وَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ الحَبْلُ المَتِينُ، وَالنُّورُ المُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَالرِّيُّ النَّاقِعُ، وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ، لا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ، وَلا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ، وَلا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ ووُلُوجُ السَّمْعِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ..»( 2 ). وقال أيضاًَ: «إنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حقيقةً، وعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوْرَاً، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوا بِهِ، ومَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ.»(3).
فالعودة إلى القرآن والاعتصام بحبل الله هو طريق الهداية والنجاة، وسبيل النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة؛ فعلى المسلمين جميعاً أن يرجعوا إلى القرآن ويَعْرِضُوا عقائدهم وآراءهم جميعاً عليه فبهذا سيبتعدون، بفضل الاعتصام والاستمساك بكتاب الله، عن كل زيغ وانحراف وكل تفرق واختلاف.
وفي هذا الإطار شهد القرن الميلادي العشرين منذ بداياته (أوائل القرن الهجري الرابع عشر) ظهور عدد من المصلحين المجدِّدين بين علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في إيران دعوا إلى النقد الذاتي وإعادة النظر في بعض العقائد الشيعية التقليدية الموروثة، على ضوء القرآن الكريم، وكان إرهاصة هذا الخط التجديدي الإصلاحي وصاحب السبق فيه «آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سنگلجي» (المتوفى سنة 1943م) وقد أطلق بعض المعاصرين( 4 ) على أصحاب هذا التيار الإصلاحي اسم «القرآنيين الشيعة» لأن أصحابه أحسّوا بـشيء من تغييب النص القرآني في الثقافة الشيعية لصالح الروايات والأخبار، لذا عملوا - من جهة - على ترسيخ المرجعية القرآنية، ولاسيما فكرة إمكان فهم النص القرآني البيِّن والواضح بذاته، دون الحاجة للروايات والأخبار لفهمه، كما عملوا - من جهة أخرى - على غربلة التراث الروائي الشيعي الذي امتلأ عبر الزمن بالأخبار الدخيلة، فنبذوا كل ما وجدوه مخالفاً لكتاب الله اتباعاً منهم للقاعدة التي وضعها أئمة أهل البيت عليهم السلام في عرض كل ما ورد عنهم على كتاب الله فما وافقه قُبلَ وما خالفه وجب تركه، من هنا يمكن اعتبار آية الله الشيخ شريعت سنگلجي «مؤسّس المدرسة السلفية القرآنية الشيعية الحديثة».
وكتاب «مفتاح فهم القرآن» الذي بين أيدينا والذي نقدم له، يُعَدُّ من أهم ما ألَّفه المرحوم سنگلجي في هذا الإطار، وقد كتبه بعد تأليفه لكتابه الشهير «توحيد العبادة»، وكان من آخر ما ألفه قبل أن ينتقل إلى جوار ربه.
في هذا الكتاب يظهر بوضوح منهج الشيخ سنگلجي الإصلاحي حين يـصرِّح فيه أن المسلمين هجروا القرآن، فكان نصيبهم الفشل والخسران، وأن الحّل الوحيد يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم. إلاّ أنّ السؤال كيف يمكن فهم القرآن؟ هذا ما يجيب عنه «شريعت سنگلجي» بأخذ الدين عن السلف لا عن الخلف، أولئك - أي الخلف - الذين جاؤوا مع الفلسفة والتصوّف والاعتزال( 5 ). ولكي يؤسّس لمرجعية القرآن ودور السنّة الشـريفة طرح في كتابه أفكاراً أساسيةً هامَّةً حول القرآن الكريم وحجيّة ظواهره والطريق الصحيح لتفسيره وفهمه، بعيداً عن تأويلات أصحاب الفرق والمذاهب والأهواء وتحريفات الغالين.
وأول ما افتتح به سنگلجي بحثه إثبات أن النص القرآني غير محرّف، فذكر أدلّته القاطعة على ذلك، ثم بيَّن أن القرآن قابلٌ للفهم تماماً، لا يحتاج إلى غيره، وأنه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي أي بالعقائد والآراء المأخوذة من غير القرآن، أو بالاستناد إلى أخبار تصرف الآيات عن معناها اللغوي الظاهر، وأن هذا من قبيل التفسير الباطني الباطل، وقد بين شروط التفسير حتى يكون صحيحاً، وبين أهمية معرفة أسباب النزول ومعرفة أحوال العرب في الجاهلية لفهم القرآن فهماً صحيحاً. ثم عقد فصولاً ممتازة في بيان المعنى الصحيح المراد من «البطن» في مقولة إن للقرآن ظهراً وبطناً، وشَرَحَ كيف أن شرط فهم باطن القرآن أن يوافق لغة العرب ويشهد له الشرع، وبيَّن بطلان تأويلات فرق الباطنية وكيف أنهم حرّفوا معاني القرآن توصُّلاً إلى مقاصدهم. ثم بيَّن سنگلجي أن القرآن مستوعبٌ لتمام قضايا الدين الأساسية، وهو أفضل دليل على عقائد الدين وأصوله، وبراهين القرآن تمتاز وتعلو على ما تذكره كتب المتكلمين أو الفلاسفة في الاحتجاج على أصول الدين. ويرى سنگلجي أن السنة دورها تفصيل ما أجمل الكتاب ذكره من أمور الشرعيات والفروع، أما العقائد الأساسية التي عليها مدار النجاة والهلاك فالقرآن هو الذي تكفَّل ببيانها وبيانه في ذلك واضح وكاف( 6 ).
ولا نريد هنا أن نلخِّصَ كل مباحث الكتاب، ونقول باختصار إن الشيخ «شريعت سنگلجي» قدَّم في هذا الكتاب وفي غيره من كتبه رؤية عصرية للإسلام في إيران استحق أن ينال عليها لقب المصلح الأكبر من قبل أتباعه؛ حتى أن بعض الباحثين الإيرانيين شبَّه حركة الشيخ «شريعت سنگلجي» التصحيحية بحركة «مارتن لوتر» و «جان كالفن» اللذين كانا يريدان العودة بالمسيحية إلى أصولها الأولية وتخليصها مما لحق بها من خرافات وبدع.
هذا وقبل الانتهاء من هذه المقدمة أذكر نبذة مختصرة عن مؤلف الكتاب:
الهوامش:
(1) انظر تفسير الطبري، ذيل تفسيره الآية 103 من سورة آل عمران.
(2) نهج البلاغة، الخطبة 156.
(3) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، بَابُ الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ وَشَوَاهِدِ الْكِتَاب، ح 1، ج 1/ص 69.
(4) حيدر حب الله، «نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، التَكَوُّن والصيرورة»، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م، ص 612 فما بعد.
(5) شريعت سنگلجي، «كليد فهم قرآن»، ص 3- 4-5. |