أقسام القرآن
أقسم الله تعالى في القرآن المجيد بأشياء من مخلوقاته والسبب في ذلك أمران:
1- كان الكفّار أحياناً يعترفون بأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قادر على إقامة البراهين بأكمل وجه لكنهم يقولون إن الرسول الأكرم مُجِيدٌ لفن الجدل وهو يعلم أن ما يقوله فاسد في ذاته، وإنما يتغلَّب علينا بما أوتيه من قوة الجدل لا لصحَّة مقاله. ومثل هذا الأمر نشاهده أحياناً لدى بعض الناس الذين يفحمهم خصمهم بالأدلة الواضحة، ويجدون أنفسهم عاجزين عن رد أدلَّته، فيتذرَّعون لتبرير عجزهم بالقول إن غلبة الخصم لا تنبع من صحّة قوله وبطلان قولنا، بل من براعة الخصم في فنّ الاستدلال وقوَّته في المجادلة، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الحقَّ معنا!!. في مثل هذه الحالة لا يملك المستدلُّ طريقاً لإقامة البراهين، لأنه كلَّما أقام برهاناً مهما كان قاطعاً حمله الخصم على مجرد قدرته على الاستدلال وبراعته في الجدال، ولم يذعن لحقية الكلام.
في مثل هذه الصورة لا يبقى للمستدلِّ طريق إلا القَسَم بأن يقول: والله إن كلامي لصحيح وليس غرضي المجادلة، وأقسم بالله أنني أقول الحق، وذلك لكي يحث مخاطبه على التصديق بحقية كلامه.
2- من معتقدات العرب قبل الإسلام أن حَلْفَ الشخص كاذباً يسبب خراب بيته وهلاكه، فالحَلْفُ الكاذب نذير بالشؤم، لذا كان كثير منهم يجتنب القَسَم كذباً، ومن هذا المنطلق فإن قَسَم النبيِّ الأكرم بأشياء كثيرة، وازدياد مقامه وعظمته رفعةً يوماً بعد يوم، كان برهاناً محكماً على صحة دعوته وصدق مقاله.
المُقْسَمُ به أو ما أقسم الله به:
للعلماء في المُقْسَم به قولان:
القول الأول: أن المراد في المقسَم به في تمام أقسام القرآن خالق الأشياء التي تم القسم بها لا عينها، فالمراد من قوله تعالى: والشمس وضحاها القسم بخالق الشمس وخالق ضحاها، واستدل القائلون بذلك بثلاثة أوجه:
1- نهى النبي الأكرم عن الحلف بغير الله فكيف يقسم الله في قرآنه الكريم بغير الله؟
2- القَسَم بشيء دليل على تعظيم ذلك الشـيء وتكريمه، ولا يليق التعظيم والتكريم بأحد سوى الحق تعالى.
3- ما ذكرناه من أن المراد من القَسَم بالأشياء القَسَم بخالقها، قد صرَّح به القرآن في بعض المواضع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس/5-7].
القول الثاني: أن الله أقسم بأعيان هذه الأشياء، واستدلوا على ذلك بما يلي:
1- ظاهر اللفظ يدل على أن الله أقسم بعين هذه الأشياء والعدول عن الظاهر خلاف للأصل.
2- لا يصحّ الوجه الثالث للقائلين بأن المقسم به هو خالق الأشياء، لأنه في بداية الآيات التي استُدِل بها تم القسم بالسماء لا بخالقها حيث قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس/5]. أي أن الله أقسم أولاً بالسماء ثم بالذي بناها ولو كان المراد من القَسَم بالسماء القَسَم ببانيها لكان في الكلام تكرارٌ، ومن المسلَّم به أن هذا لا يجوز.
فواتح سور القرآن
أثبتنا في المبحث الأول من كتابنا هذا أنه لا توجد في القرآن آية بل حتى كلمة واحدة غير مفهومة للبشر، ولا نجد داعياً لتكرار استدلالنا على هذه الحقيقة، ومن هذا البيان يظهر بطلان قول من يقول إنه لا علم للبشر بالمقصود من فواتح السور، ونذكر فيما يلي دليلين على أن فواتح السور مفهومة:
1- كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في فترة بعثته، لاسيما في الفترة المكية، يتعرَّض إلى أشد الإيذاء مِن قِبَل المشركين وإلى افتراءاتهم المتوالية في حقه كاتهامهم له بالجنون وبأنه شاعر كذَّاب وبأنه كاهن وأنه يعلِّمُهُ بشر وغير ذلك، وكانوا يبحثون عن عيب في الرسول الأكرم أو في القرآن ليشهِّرُوا به، ومع ذلك كيف نفسِّـر أن يقوم النبي بقراءة عبارات من أمثال كهيعص أو حمعسق أو طه وأمثالها ثم لا يفهمها المشـركون أبداً ورغم عداوتهم للرسول الأكرم لا يلومونه على قراءة مثل هذه الكلمات التي لا معنى لها أو لا يستغلون ذلك للاستهزاء به والسخرية منه، بل إن ذكر كلمات غير مفهومة أصلاً كان بإمكانه أن يصبح ذريعة للمشركين ليستدلوا بذلك على جنون النبي -والعياذ بالله- وأنه يقول أباطيل لا معنى ها، وبالتالي يزدادون جرأة على إهانة مقام الرسالة. ولكن أيا من هذا لم يحصل مما يدل على أن المشـركين كانوا يفهمون المراد من ذكر تلك الحروف. وقد نقل السيوطي في كتابه الإتقان [في علوم القرآن]: إن كلمة «طه» في لغة الحبشة والنبط معناها «يا أيها الرجل» وكلمة «يس» في لغة الحبشة معناها «أيها الإنسان» وحرف «ن» في الآية المباركة ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم/1] معناها الدواة.
2- كان المشركون يثيرون الإشكالات على كل ما لا يعجبهم من القرآن، وكان من عادة القرآن دائماً أن ينقل لنا إشكالاتهم ويردّ عليها، فلو كانت هذه الكلمات [أي حروف فواتح السور] غير مفهومة أصلاً لأشكل المشركون عليها ولقالوا إن القرآن الذي يتحدانا بأن نأتي بسورة أو آية من مثله يتضمن كلمات لا نفهمها، فكيف نستطيع أن نعارضه؟ أو لسألوا النبي أن يبيِّن لهم المراد من تلك الكلمات، لكننا لحسن الحظ لا نجد في القرآن أي إشارة لعدم فهم تلك الكلمات ولا أي ذكر لاعتراض المخاطبين بالقرآن، سواء المشـركون أم المؤمنون، لعدم فهمهم تلك الحروف؛ لذا نحكم جازمين وبكل قطع أن المخاطبين بالقرآن من المؤمنين والمشركين كانوا واقفين على المراد من تلك الكلمات، وأما جهلنا نحن بها فسببه بُعْدُنا عن عهد الرسالة الذي أبعدنا عن فهم مقاصد الكلام العربي في ذلك الزمن، وجهلُنا هذا لا يدل على أن تلك الكلمات لم تكن مفهومة أبداً في ذلك العصر.
وقد ذكر علماء الإسلام وجوهاً متعددة في بيان معنى هذه الحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السور، ونشير فيما يلي إلى أهم تلك الوجوه رغم أننا لا نستطيع أن نرجح وجهاً منها على آخر:
أقوال العلماء في معاني فواتح سور القرآن:
القول الأول: وهو قول أكثر المتكلّمين وقول الخليل وسيبويه الذين يقولون إن هذه الكلمات أسماءٌ لسور القرآن. ويقول القفّال -وهو من علماء المعتزلة-: كان من عادة العرب أن يسموا بالحروف فكان اسم أبي حارثة: «لام» ويسمون النُّحَاس «صاد» ويسمون النقد «عين»، ويسمون الغيم «غين» ويسمون الجبل «قاف» ويسمون الحوت أو السمك «نون».
القول الثاني: قول جماعة بأن هذه الحروف أسماء الله.
القول الثالث: قول الكلبي والسدي وقتادة إن هذه الحروف أسماء للقرآن المجيد.
الرابع: قول أبي العالية إن كل حرف منها بيان لمدة أقوام، ولآجال آخرين. قال ابن عباس رضي الله عنه: مرَّ أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو سورة البقرة ﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة/ 1- 2] ثم أتى أخوه:حُيَيُّ بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن ﴿ألم﴾ وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم كذلك نزلت»، فقال:حُيَيُّ: إن كنت صادقاً إني لأَعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلَّت هذه الحروف بحساب الجُمَّل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة! فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:حُيَيُّ: فهل غير هذا؟ فقال: نعم ﴿المص﴾، فقال:حُيَيُّ: هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون سنة، فهل غير هذا، قال: نعم ﴿الر﴾، فقال:حُيَيُّ هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة، فهل غير هذا؟ فقال: نعم ﴿ المر﴾، قال:حُيَيُّ: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟(82).
الخامس: هذه الحروف تدلُّ على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشـيء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول واستئناف الكلام الجديد.
السادس: قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره:
[[الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود. إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم، كقول القائل اسمع، واجعل بالك إلي، وكن لي، وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد و يا زيد وألا يا زيد، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه. ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر. ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال يا زيد، والغافل ينبه أولاً فيقال ألا يا زيد.
إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبِّهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولا مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه. أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فنقول عقل البشـر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله أعلم بجميع الأشياء، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى: ﴿الم. ذَلِكَ الكِتَابُ..﴾ [البقرة/1-2]، ﴿الم. اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ﴾ [آل عمران/1-3]، ﴿المص. كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ..﴾ [الأعراف/1-2]، ﴿ يس. وَالْقُرْآَنِ الحَكِيمِ﴾ [يس/1-2]، ﴿ق. وَالْقُرْآَنِ المَجِيدِ﴾ [ق/1]، ﴿الم. تَنْزِيلُ الكِتَابِ..﴾ [السجدة/1-2]، ﴿حم. تَنزِيلُ الكتاب..﴾ [الجاثية/1- 2].
إلا ثلاث سور: 1- ﴿كهيعص﴾ [مريم/1]. 2- ﴿الم. غُلِبَتِ الروم..﴾ [الروم/1- 2]. 3- ﴿الم. أَحَسِبَ الناس...﴾ [العنكبوت/1-2].
والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً﴾ [المزمل/5]. وكل سورة في أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه.
لا يُقَال كل سورةٍ قرآنٌ واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر القرآن لفظاً أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضاً فقد وردت سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قبلها حروف كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ..﴾ [الكهف/1]، وقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا..﴾ [النور/1]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ..﴾ [الفرقان/1]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر/1]؛ لأنا نقول جواباً عن الأول: لا ريب في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى: ﴿طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [طه/1-2] مع أنها بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه: إنا كتبنا إليك كتباً إليك كتباً فيها أوامرنا فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول. وعن الثاني: أن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ﴾ [الكهف/1] تسبيحات مقصودة وتسبيح الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي. وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا..﴾ قد بينا أنها من القرآن فيها ذكر إنزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن فهو أعظم في النفس وأثقل.
أما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر/1] فنقول هذا ليس وارداً على مشغول القلب بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم وقوله: {إِنَّا أنزلناه} الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان متنبهاً له فلم ينبه.
واعلَمْ أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج/1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ..﴾ [الأحزاب/1]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ..﴾ [التحريم/1]؛ لأنها أشياء هائلة عظيمة، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيهاً، وأما هذه السورة افتتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك لأن القرآن ثقله وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف حيث قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟؟﴾ [العنكبوت/2]، يعني لا يتركون بمجرد ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف، فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي.
فإن قيل: مثل هذا الكلام، وفي معناه ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ﴾ [التوبة/16] ولم يقدم عليه حروف التهجي؟!
فنقول: الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذا ابتداء كلام، ولهذا وقع الاستفهام بالهمزة فقال ﴿أَحَسِبَ الناسُ؟﴾، وذلك [أي قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾] وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه يكون في أول الكلام لا في أثنائه]](83).
[[وأما ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم/1-2]، حيث ذكر حروف التنبيه ﴿ألــم﴾ رغم عدم ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، فعلَّته أن الآية ذُكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيُقْبِلُ بقلبه على الاستماع، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع.]](84). انتهى تحقيق الفخر الرازي في موضوع فواتح السور.
الثامن: أن هذه الحروف المقطَّعة لإسكات الكفار وحملهم على الاستماع لما يرد عليهم من القرآن؛ وذلك لأن المشركين كانوا قد تعاهدوا فيما بينهم أن يعرضوا عن الاستماع للنبي والقرآن كما صرح القرآن بذلك في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت/26]
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش كان يوصي بعضهم بعضاً إذ قرأ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن أن يتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة، أو كان بعضهم يصفِّر وآخرون يصفِّقون بأيديهم وبعضهم ينشد الأشعار الباطلة، كل هذا حتى يخلطوا على النبي قراءته ويشوشوا عليه ويغلبوا على قراءته، فلا يستطيع أن يقرأ القرآن على الناس(85).
فللحيلولة دون عمل المشركين هذا ولدفع شرّهم، أنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف المقطَّعة فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم.
وذكر المفسرون أقوالاً أخرى في هذا الباب وألف أبو علي ابن سينا رسالة مستقلة في موضوع فواتح السور، سماها بالرسالة النيروزية، ولو أردنا أن نذكرها هنا بتمامها لخرجنا عن خطة الكتاب القائمة على الاختصار والتخفيف، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
الحكمة من نزول القرآن الكريم على نحو التدريج مُفَرَّقاً ومُنَجَّمَاً
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان/32].
يقول ابن جريج: استغرق نزول القرآن من أول آية إلى آخر آية ثلاثة وعشـرين عاماً.
تضمنت الإجابة التي رد اللهُ بها على قول الكفار الأمور التالية:
1 – أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان أمياً لا علم له بالقراءة والكتابة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت/48].
ولما كان النبي الأكرم أمياً، فلو نزل عليه القرآن كله دفعة واحدة لصعب عليه حفظه كله وضبطه ولكان نسيان بعضه محتملاً، أما التوراة فكانت كتاباً وكان موسى من أهل القراءة والكتابة.
2- الذي يكون لديه كتاب كامل ربما اعتمد على كتابه وتساهل في حفظه، لذا لم يُنزِل الله تعالى القرآن دفعةً واحدةً بل فرَّقه وأنزله بالتدريج كي يعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حفظه وضبطه.
أضف إلى ذلك أن الأمة أيضاً كانت [في غالبها] أمَّةً أمِّيَّةً، ولم تكن من أهل الكتابة والقراءة، لذا كان من المناسب أن ينزل القرآن على الأمَّة بالتدريج كي تتمكن من ضبطه وحفظه.
3- بما أن كثيراً من آيات القرآن تبيّن أحكاماً عمليةً فلو نزل القرآن كله دفعة واحدة لكان حفظ كل تلك الأحكام مرة واحدة والعمل بها أمراً عسيراً، لكن نزوله التدريجي ساعد على حفظ تلك الأحكام وسهّل العمل بها.
4- إن مشاهدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل في حالات متعددة وأزمنة مختلفة كان من شأنه أن يقوّي قلب النبي ويعينه على تحمّل مشاق الدعوة ويجعله أكثر صبراً على احتمال أذى الخلق وأكثر ثباتاً في قتال الكفار.
5- إن نزول القرآن بالتدريج هو في حد ذاته معجزة كبرى للنبي، فرغم أنه كانت تنزل عليه أحياناً عشر آيات أو سورة صغيرة كان المشـركون عاجزين عن معارضة القرآن والإتيان بسورة من مثله، وكان عجز المشركين أكثر وضوحاً بنزول القرآن مفرقاً، مما لو نزل جملة واحدة.
6- كان القرآن ينزل طبقاً للوقائع التي تحدث للناس وهذا يقتضي نزوله مفرَّقاً وبالتدريج، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
الهوامش:
(82) فخر الدين الرازي، التفسير الكبير المعروف بمفاتيح الغيب، ذيل تفسيره للآية الأولى من سورة البقرة. وهذه الرواية رواها بألفاظ قريبة ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 545)، كما أخرجها البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 208)، وابن جرير الطبري في تفسيره (1/ 92-93/ رقم 246, ط شاكر) بسندهم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب، ونقلها ابن كثير في تفسيره وقال بشأنها: «وأما من زعم أنها [أي الحروف المقطعة أوائل السور] دالة على معرفة المُدَد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفن والملاحم - فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطارد! وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته". ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع من الطبري - ثم قال: "فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به» انتهى. (تر)
(83) فخر الدين الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ذيل تفسيره للآية الأولى من سورة البقرة. (تر)
(84) فخر الدين الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ذيل تفسيره للآية الأولى من سورة الروم. (تر)
(85) انظر تفسير ابن كثير والتفسير الكبير للفخر الرازي ذيل تفسيرهما للآية 26 من سورة فصلت. (تر) |