بسم الله الرحمن الرحيم

 

طريق النجاة من شر الغلاة

 

الـجـــزء الـثـــالـــث بـحـــث حـــول

الشفاعة وحقيقتها

 

ويليــه الـجـــزء الـرابـــع بـحـــث حـــول

الغلو والغلاة

 

كتبه (بالفارسية) المرحوم الأستاذ

حيدر علي قلمداران القُمِّي

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعــد مـحمــود رسـتـــم

 


 

 

 

 

 

 

 

P


 

مقدِّمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه وحده نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، ففي الستينات من القرن الماضي (الميلادي) قبل حوالي أربعين عاماً ونيِّف نشر أحد الغلاة المتطرفين من المنتسبين إلى العلم من الشيعة الإمامية ويُدْعَى آية الله العظمى السيد أبو الفضل النبوي، في قم/ايران، كتاباً (بالفارسية) سمَّاه «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) طرح فيه نظرية الولاية التكوينية المطلقة للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الاثني عشر من آله عليهم السلام، واعتبر أن الله جعلهم أمراءَ العالَم ومدبري شؤونه ومقسمي أرزاق العباد والقَيِّمِين على شؤونهم... وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم.. وأنهم شفعاء شيعتهم ومخلصو مواليهم يوم القيامة وغلا في مفهوم الشفاعة حتى وكأنها صكٌّ حتميٌّ في الغفران لكل من انتسب إلى الأئمة واعتبر نفسه من شيعتهم وأقر بلسانه بولايتهم مهما كانت أعماله وأفعاله حتى ولو لم يقم بشيء من حقوق الله وانتهك حقوق العباد، ومات مصرّاً على كبائر الذنوب وظلمٍ وموبقاتٍ تبلغ عنان السماء!!

فقام أحد أعلام الاعتدال من الشيعة الجعفرية، الأستاذ الفاضل «حيدر علي قلمداران القُمِّيّ» فردّ عليه ردَّاً شاملاً مبيِّناً مخالفة أقواله للقرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة وتعاليم أئمة العترة النبوية، فألف كتاباً بالفارسية من خمسة مباحث أسماه «راه نجات از شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث التالية

1.«بحث در اختصاص علم غيب به خدا» أي بحث في اختصاص علم الغيب بالله.

2.«بحث در ولايت وحقيقت آن» أي بحث في الولاية وحقيقتها.

3.«بحث در شفاعت وحقيقت آن» أي البحث في الشفاعة وحقيقتها.

4.«بحث در باره غلاة» أي البحث حول الغلاة.

5.«بحث در باره زيارت» أي البحث حول زيارة المراقد.

ولم يتمكَّن من طبع كتابه جملةً واحدةً، نظراً لما أوجده حراس الخرافات والغلو من عراقيل أمامه فاضطرَّ إلى طباعة كلِّ بحث سِرّاً وعلى حدة في بعض مطابع المدن والبلدات المجاورة لمدينته قم. ثم أعاد عام 1979م. طباعة البحثين الثالث والرابع أي (بحث شفاعت) و(بحث غلوّ) في كتاب واحد، وهاأنذا أقدم للقراء الكرام ترجمة الكتاب أي ترجمة هذين البحثين، بعد أن ترجمتُ فيما سبق بحث الزيارة (أي زيارة المراقد).

ولا بد في هذا المقام من توضيح بعض النقاط حول موضوع الشفاعة:

من المعلوم أن الشفاعة من الموضوعات التي اختلفت فيها وجهات نظر المسلمين منذ قديم الزمان فمع أن الكلَّ أثبتها يوم القيامة إلا أنهم اختلفوا في مستحقِّها فكان الناس فيه أقساماً:

1- قسمٌ غلا في إثباتها وجعلها متاحةً ومضمونةً يقيناً لكلِّ عاصٍٍ ولو مات مُصِرَّاً على كبائر الإثم والفواحش منتهكاً لحقوق اللهِ والعباد، ومن هؤلاء المرجئة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة ولم يجعلوا الأعمال جزءاً من مفهوم الإيمان، كما أن منهم غلاة الشيعة الإمامية وغلاة الصوفية، الذين استندوا في إثباتهم مثلَ هذا المفهوم المغالي للشفاعة إلى عديد من الروايات والأخبار (الضعيفة)، وفتحوا بذلك الباب واسعاً أمام المجرمين والعصاة كي يستمروا مرتاحين في شهواتهم وآثامهم متكلين على هذه الشفاعة الحتميَّة التي ستأخذهم -فقط لأنهم بالاسم من أمة محمد أو من شيعة الأئمة من آل الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) - إلى جنات الرضوان، ولو لم يعملوا خيراً قط وماتوا مصرين على كل الموبقات والجرائم وكبائر والإثم والفواحش!.

2- وقسمٌ ضيَّقها إلى حدِّ أنه نفاها عن العاصين المذنبين، وجعلها للمؤمنين الصالحين التائبين فقط، لزيادة درجاتهم ورفع منزلتهم في الجنة، تفضُّلاً من الله عليهم، ومن هؤلاء الوعيدية أي المعتزلة والخوارج، ويمثّلهم في عصرنا الشيعة الزيدية والإباضية.

3- وقسم توسط في الأمر فقال إنّ من مات مصرّاً على الكبائر أَمْرُهُ موكولٌ إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه، مع قولهم أنه في الأصل مستحقٌّ للعذاب ومتعرِّضٌ للوعيد بحسب نصوص الكتاب والسنة، فأثبتوا الشفاعة يوم القيامة للمذنبين وللتائبين وحتى لأهل الكبائر ممن يشاء الله أن يغفر لهم بإذنه، مع قولهم بأن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر فَإِنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ الْبَشَرِ يُؤَثِّر على المشفوع إليه ويُغيِّر قراره ويحمله على تغيير حكمه، في حين أن اللهَ تعالى لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فهو الذي يأمر أولاً بالشفاعة فَالْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَيْهِ، فَلَا يُؤثِّرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِوَجْهٍ. فَسَيِّدُ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا سَجَدَ وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ اللهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاسْأَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَحُدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ»، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِـلَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِـلَّهِ ﴾ [آل عِمْرَانَ:154]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عِمْرَانَ:128]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الْأَعْرَاف:54]، فلا يشفع أحدٌ لأحدٍ إلا بإذنه جلَّ وعزَّ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء:28].

وبهذا جعلوا أمرَ الشفاعة والغفران موكولاً كلَّه إلى الله فلم يُيْـئِسُوا الناس من رحمته الواسعة القريبة من المحسنين، كما لم يطمِّعُوهم بغفرانه الحتمي ويؤمِّنوهم من مكر الله على نحوٍ يجرِّئُهُم على الاسترسال في المعاصي والكبائر دون توبة، بل يبقى العبد بين الخوف والرجاء، وهذا هو مذهب المعتدلين المحققين من الشيعة وأهل السنة، الذي يستندون فيه إلى عدد من الأحاديث الصحيحة.

وقد ذهب المؤلف قلمداران في بعض مناحي بحثه حول الشفاعة إلى نحو هذا الموقف، بيد أنه نظراً إلى كثرة ما وجده في كتب الروايات لدى الشيعة الإمامية من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والأخبار الملفَّقة العجيبة والممجوجة في موضوع شفاعة النبي والأئمة وفاطمة (عليهم السلام) والتي جُلُّ رواتها من الغلاة والكذابين، حسب ما تُبَـيِّنُهُ كتبُ علم الرجال الشيعية ذاتها، تكوَّنت لديه ردَّةُ فعلٍ فأنكر جميع أحاديث الشفاعة، واقتصر على مفهومها القرآني فحسب، فرأى أن القرآن الكريم يؤكِّد أن يوم الدين يومٌ لا يُغْنِي فيه مولىً عن مَولىً شيئاً وَأنَّه يومٌ لا بَيْعٌ فيه وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ، وأنَّ الشَّفَاعَةَ لِـلَّهِ جميعاً، وأنه لا يقوم بها إلا من أَذِنَ اللهُ له القيام بها بحق من ارتضاه الله، وهم المؤمنون الموحدون التائبون، إذ لا شك أن الله لا يرتضي أهل الشرك ولا أهل الكبائر المجرمين المصرين على آثامهم، فلما كانت الشفاعةُ لِـلَّهِ جميعاً فدور النبي والأولياء فيها دورٌ تشريفيٌّ لإظهار فضلهم ومقامهم فحسب، وليس فيها أي حتمٍ على الله ولا استقلالٌ بها -أي لم يعطِ الله ُ تعالى بها أحداً (شيكاً على بياض) كما يُقال- ولا فيها ثَنْيٌ لِـلَّهِ عن حكمه، ولا إلغاءٌ لإنذاراته ووعيده، ورأى أن شفاعة النبي والملائكة والمؤمنين هي استغفارهم الذي أمرهم اللهُ تعالى أن يطلبوه للمؤمنين خلال حياتهم في عالم الدنيا، والذي لن يَنْتَفِعَ منه يوم القيامة إلا الصادقون في إيمانهم المسلمون لِـلَّهِ في حياتهم، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فالأمر أوَّلاً وآخراً موكولٌ لربِّ العزَّةِ والجلال، الذي بيَّن أنَّ ٍ كُلَّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، وأنه ليس بأمانِيِّنا ولا أمانيِّ أهل الكتاب بل مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً. وقد اقترب المؤلّف في بعض ما ذهب إليه- إلى حدٍّ ما - مِنْ مذهب الوعيدية من المعتزلة والشيعة الزيدية أيضاً.

وقد تأكَّد للمؤلِّف هذا المفهوم للشفاعة من مطالعته لعديد من الأحاديث الواردة عن النبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الهداة من أهل بيته الكرام عليهم السلام، ذكرها في هذا الكتاب، أكدوا فيها بأكثر العبارات صراحةً أنهم لن يغنوا عن أتباعهم شيئاً وأن لا نجاة لمسلمٍ يوم القيامة إلا بالتقوى والورع والعمل الصالح.

وخلاصة القول أن المؤلف اجتهد مخلصاً فيما طرحه من رأيٍ حول المفهوم الصحيح للشفاعة، وقد حالفه الصواب في نواحٍٍ كثيرةٍ وربّما جانبه الصواب في نواحٍ أخرى، ولا حرج في ذلك، فالمجتهد مأجورٌ إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ، ما دام له دليلٌ مسوِّغٌ فيما يذهب إليه من قَول.

هذا وترجمتنا للكتاب لا تعني طبعاً بالضرورة أننا نتفق معه في كل جزئيةٍ مما قاله، وإن كنا نوافقه في المفهوم العام للموضوع، وفي رفض الروايات المكذوبة والأحاديث الموضوعة التي تزكم رائحة الوضع فيها الأنوف، وما تطرحه من شفاعةٍ استقلاليَّةٍ حتميَّةٍ واسعةٍ مبنية على مجرَّد المحبّة القلبية والولاء اللساني للأئمة من آل الرسول - عليهم السلام - فتشمل كل مُدَّعٍ للإسلام والتشيُّع بلسانه مهما كانت أعماله، حتى ولو كان ممن مات مصرّاً بغير توبة على كبائرَ كالجبال الراسيات!!، لأن مثل ذلك المفهوم للشفاعة - كما يقول المؤلف - يقضي على كل إنذارات القرآن ويلغي جميع آيات الوعيد ويناقض مئات الأخبار النبوية الصحيحة التي تضمَّنت الوعيد الأكيد لفاعلي كثير من كبائر الآثام المصرّين على أنواع من الموبقات وأصنافٍ من الفواحش والظلم، كما أن ذلك المفهوم يُفْقِدُ المعنى من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع وفرض الأحكام.

هذا ما أردت توضيحه في هذه المقدمة، أسأل الله تعالى أن يتقبَّل منا هذا العمل، ويعفو عما بدر منا فيه من خطأ وزلل، إنه وليُّ التوفيق، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

 

المترجم

 

 

+                +                 +


 

صورة لغلاف الكتاب باللغة الفارسية


 

+                +                 +

 

 

 

بـحـــث حـــول
الشفـاعة وحقيقتها

 

الجزء الثالث من كتاب طريق النجاة من شر الغلاة

 

 

كتبه (بالفارسية) المرحوم الأستاذ

حيدر علي قلمداران القُمِّي

 

ترجمه إلى العربية وقدَّم له وعلَّق حواشيه

سعــد مـحمــود رسـتـــم

 


 

 

 

مقدمة المؤلِّف

 

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين.

قبل عدة سنوات ألفتُ كتابي «راه نجات از شرِّ غُلاة» (أي طريق النجاة من شر الغلاة) وأعطيته لإحدى المطابع في قم لطباعته إلا أنه مع الأسف بسبب الإعاقات والموانع التي كانت مُتَوَقَّعة في مثل ذلك المحيط لم تكتمل طباعته فاضطررتُ إلى تقسيم الكتاب إلى أجزاء وطباعة كل قسم على حدة في مطابع متعددة لبعض البلدات المجاورة، والكتاب الحالي هو القسم المتعلق ببحث الشفاعة من كتابنا المذكور أعني «راه نجات از شرِّ غُلاة» أُقدِّمُهُ اليوم بعون الله تعالى لطالبي الحق والحقيقة آملاً أن يكون سبباً لليقظة والهداية في مجتمعنا الضال، إذ إننا نعلم أن السبب الأصلي والأهم لنفور جيل الشباب من مسائل الدين والإيمان هو انتشار الخرافات واتساع الموهومات التي تُرَوَّج بين الناس باسم حقائق الدين، وأهم تلك الموهومات هو موضوع الشفاعة التي جَرَّأَ مفهومُها الخاطئ هذا الشعبَ على ارتكاب أنواع الفسق والفجور والفساد إلى درجة أن الإنسان يرى أحياناً أن لو كان هذا المجتمع عديم الدين بنحو كامل لربما كانت تحجزه فطرته عن الآثام على نحو أفضل من مثل هذا الدين المشوَّه والمذهب المُحَرَّف الذي لم يَبْقَ في نظام حياته حدٌّ ولا سدٌّ بسبب الغرور بمفهوم الشفاعة الخاطئ الذي انتشر وراج إلى درجة لم تبقِ لكثيرٍ من أفراد هذا المجتمع إسلاماً بل إنسانيةً!.

إن فائدة الدين هي أن يحفظ لأفراد المجتمع أرواحهم وأموالهم وأعراضهم ويجعلها في أمان ويحدِّد لكل إنسان حدّاً يقف عنده وينتفع به بالمقدار الذي يفيد مجتمعه. ولكن لسوء الحظ إذا لم تُبْقِ الموهوماتُ لشخصٍ عقلاً إلى درجة تجعله غير قادر على أن يُقارِن مجتمعه بالمجتمعات المتقدمة الراقية، عندئذٍ لن يفهم في أي جهنم يعيش! وعلى أي حال سنقدم للقرّاء الكرام شرحاً واضحاً لحقيقة مسألة الشفاعة في الشريعة الإسلامية كما يبينها القرآن الكريم. وبالله التوفيق.

 

حيدر علي قلمداران

محرّم الحرام 1392 هـ ق


 

تـمـهيـد

إن مسألة الشفاعة اتَّسعت كل هذا الاتساع في شعبنا بسبب ترويجها المتواصل مِنْ قِبَلِ خطباءٍ أغلبهم عديم الاطلاع على حقائق الدين وغير واقفٍ على حدود الشرع المبين، بل مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ! ومع ذلك يتصدّرون بغير حقٍّ لمقام ورثة الأنبياء والمرسلين ومنبر الدعاة إلى الدين، فيضلُّون الناسَ بخرافاتهم التي ينشرونها صباح مساء تحت اسم قراءة المآتم في مجالس العزاء، ويَجْمَعُون وهم ممتلئون ذنوباً من رأسهم إلى أخمص أقدامهم عوامَ الناس حولهم فيضلُّونهم بما يبُثُّونه فيهم من الأحاديث الموضوعة والروايات المكذوبة والأخبار الملفَّقة التي تسوقهم إلى هاوية الهلاك عندما تسهِّل لهم (بشكل غير مباشر) ارتكاب الآثام والمعاصي.

وإذا دقَّقنا في الأمر علمنا أن هؤلاء الذين يفتحون باب الشفاعة على مصراعيه بهذا الاتساع الكبير أمام الناس ليس لهم من دافع نفسي إلى ذلك سوى إغواء الشيطان، وأنهم لمّا كانوا ملطَّخين بالآثام والذنوب فإنهم يريدون بخطابهم ذاك أن يوجدوا لأنفسهم شركاء ورفقاء كي لا يشعروا بالوحشة والوحدة في طريق آثامهم ومصائبهم بل يسوقون آخرين إلى مثل وضعهم لعل الله إذا رأى أن هذا الأمر قد عمّت به البلوى واشترك فيه الكلّ يصرف النظر عن عذابهم ويعفو عنهم جميعاً!!

والعلة الأخرى لهذه الدعوة إلى الشفاعة (بمفهومها الخاطئ) هي استجلاب رضا وسرور السامعين والحصول على بذل مالهم والاستفادة منهم.

وإضافةً إلى ما ذُكر فإن مسألة الشفاعة بمفهومها الخاطئ قد وجدت طريقها، على نحو واسع للأسف، إلى كتب الحديث والروايات ولم يسلم من ذلك حتى أفراد مشهورين ومحترمين ذكروا مثل ذلك المفهوم في كتبهم التي ألَّفوها وتركوها لنا، وصارت مع الأسف مستمسكاً لأعوان الشيطان ودليلاً محكماً يرجعون إليه، كما نجد على سبيل المثال في أحد الكتب الفقهية المعروفة التي دوَّنها فقيهٌ مشهورٌ جليل القدر روايةً عجيبةً مَرْوِيَّةً بلا سندٍ ولا مصدرٍ تقول إنه رُوْيَ أنَّ امرأة كانت تزني ثم تحرق أولادها الذين يأتون من الزنا خشية الفضيحة! ولم يكن يعلم بهذا الفعل الشنيع سوى أمها فلمّا ماتت تلك الزانية وأرادوا دفنها لفظتها الأرض، وَمَهْمَا حاولوا دفنها في بقع أخرى واجهوا المشكلة نفسها، فذهب أهلُها في النهاية إلى إمام الوقت عليه السلام وعرضوا عليه الواقعة، فطلب أمَّها - التي كانت لا تزال حيَّة - وسألها عن القضية فكشفت له حقيقة ما كانت تصنعه ابنَـتُها، فأمر بأن يُوضع في قبرها مقدارٌ من تربة قبر الحسين عليه السلام وبهذا قبلتها الأرض وخُفِّف عنها!!(1).

وهناك شيخٌ معروفٌ آخر ذكر في أحد كتبه التي ألفها في هذا العصر، لينشر بزعمه معارف الإسلام ويوضِّح معالم الدين!! حكايةً لا نعلم من أين أتى بها عن قصَّة امرأةٍ كانت تُسْكِرُ ابنَها كي يزني بها وكان الابن يفعل ذلك على الدوام!! ولكن بعد موتها رؤوا تلك المرأة في أعلى درجات الجنة! فلمّا سألوها مستغربين قالت: كنتُ أصلي على النبي وآله سبع مرات في اليوم!!.

وتوجد مئات من مثل هذه الأباطيل والحكايات التي لا أساس لها نسمعها في مجالسنا الدينية! هذا في حين أنه لو رجعنا إلى القرآن الكريم لرأينا أن مثل هذه الشفاعة المزعومة بهذه الصورة لا وجود لها من الأساس وأن لا سلطة ولا حكم يوم القيامة إلا لِـلَّهِ الواحد الأحد القهَّار، وأن لا نجاة لإنسان إلا بإيمانه وعمله الصالح، كما أننا لو عدنا إلى العقل والوجدان لا يمكننا أبداً أن نصدِّق أن النبيَّ الذي أرسله ربّ العالمين لإصلاح الناس وهداية العباد، وَبَعَثَهُ بشريعةٍ محكمةِ البنيان وقوانين حكيمة؛ يعلّم الناس مثل هذا المفهوم عن الشفاعة الذي يقتلع كل تلك التعاليم من جذورها!.

في رأينا إن علة الانحطاط والذلّ الذي يعاني منه الشرق لاسيما المسلمون وخاصة الإيرانيون منهم(2) هو أننا لا نحترم أي قانون أو قواعد ثابتة فيما بيننا ومثل هذا المرض استفحل إلى درجة أصبح علاجه فيها مستعصياً وأحد أسباب ذلك هو الغرور بذلك المفهوم للشفاعة الذي يهدم حريم أحكام الشريعة ولا يبقي حرمةً لأي حَدٍّ ولا قانون، ولا ريب أن الشعب الذي يُبْتَلى بمثل هذا النمط من الاعتقاد يقع في خسران عظيم.

لذا ندعو القرَّاء الكِرام إلى مطالعة هذه الرسالة المختصرة ليَرَوْا ما هي حقيقة مسألة الشفاعة التي أوقع فهمها الخاطئ كل هذا الخسران والانحطاط في مجتمعنا وما هو أساسها وحقيقتها في الشريعة الإسلامية؟! وما توفيقي إلا بالله.

إن الشفاعة التي تروج اليوم في ذهن عامة الناس هي أن أولياء الله المقربين إليه كالنبيّ والأئمة الكرام من آله عليه وعليهم السلام سيشفعون، بما لهم من الجاه والحظوة عند الله، لجميع العصاة من أتباعهم يوم القيامة ويأخذونهم رغم كل معاصيهم وجرائمهم وآثامهم إلى أعلى درجات الجنان! ويحققون لهم آمالهم ورغباتهم في هذه الدنيا أيضاً. ومثل هذه الشفاعة مستقاة من مفهوم الواسطة والتشفع لدى السلاطين الجبارين والحكام المستبدين الذين يعفون أحياناً عن مجرم مفسد واجب القتل لشفاعة بعض الشفعاء من أقارب السلطان له، أو لتدخُّل أحباب ذلك الحاكم المستبد الجبار لأجل أن يعفو عن صديقهم الذي ارتكب جرائم تستوجب العقاب، فيعفو الحاكم عنه لأجل خاطرهم، لا بل قد يقرِّب الحاكم أحياناً ذلك المجرم المذنب ويمنحه مقاماً في بلاطه، وقد يُعطيه منصباً راقياً كالوزارة والإمارة رغم عدم استحقاقه لها، في حين يُبعد أفراداً صالحين وكفؤ من تلك المناصب لا لشيء إلا لأنهم ليسوا من معارف السلطان وليس لديهم من يقربهم إليه ويشفع لهم عنده!!

أجل إن مثل هذه العقيدة في الشفاعة إنما تنبع من تلك الأنظمة البعيدة عن العدل والإنصاف والغريبة عن الشرع. فالشعب الذي لا يسود فيه العدل والإنصاف والعقل والوجدان ولا قيمة فيه للصدق والأهلية بل أموره كلها تعتمد على المحسوبيّات والوساطات والشفعاء والذي لا ينال المناصب والمقامات لديه إلا من يجيد التملّق والإطراء ومدح الجبارين والسلاطين، من الطبيعي أن يتصور أن الأمر عند عتبة الذات الأحديّة والرب الخالق سيكون على هذا النحو وتلك الكيفية!

أسأل الله أن يوفقني من خلال هذه الرسالة لبيان حقيقة الشفاعة كما هي ليعرف الذين يتصورون أنهم سيستفيدون من تملّقهم وتوسلهم إلى شفعائهم الموهومين أنهم لن يصلوا إلى أي شيء، وأن لا نجاةَ ولا فلاحَ أمام الله العالم بالغيب والشهادة ومالك يوم الدين إلا بالصدق والاستقامة، وما من شيء يقرّب إليه إلا العبودية الحقّة لذاته العليَّة، عسى أن ينجو مجتمعنا بفضل انتشار هذه الحقائق من الذلّ والانحطاط وأن تعود الأمة أو على الأقل أجيالها القادمة إلى مجد وعظمة مسلمي الصدر الأول الذين كانوا بعيدين عن مثل تلك العقائد السخيفة والأفكار المنحرفة، ويشدوا الهمة والعزم على العمل والسعي إلى رضوان الله، ومن الله التوفيق وعليه التكلان وهو المستعان.

 

حيدر علي قلمداران

 

+                +                 +


 

موضوع الشفاعة وحقيقته

قلنا إن الدافع إلى الغلوّ في الأئمّة كان في البدء سعي أعداء الإسلام لنشر وإشاعة تلك الأفكار بين المسلمين لإضعاف دينهم، ثم تلقَّف ذلك أرباب الفسق والفجور من المسلمين الغافلين المنهمكين في شهواتهم فقاموا بنشر تلك الأفكار وترويجها لأنّها وافقت هواهم في ارتكاب المنكرات وانتهاك المحرَّمات التي كانوا لا يجترئون عليها خوفاً من تهديد آيات القرآن ووعيدها، فوجدوا في تلك الأفكار ملاذاً من تلك الإنذارات ومن هنا اتسع باب الشفاعة بين المسلمين، ووصل الأمر إلى التضحية بكل أحكام الإسلام في مذبح الشفاعة والغلوّ والولاية، وكان ذلك باباً فتحه الشيطان في الأمم السالفة والأديان المنسوخة قبل آلاف السنين من ظهور الإسلام ورأينا نتائجه! فمثلاً في الديانة النصرانية أخذ موضوع حب المسيح وعبادته أهميةً أساسيةً جعلتهم يروّجون أن حبَّ المسيح والإيمان به وبفدائه لهم، كافٍ للنجاة يوم الحساب، وأن النجاة لا تعتمد على الأعمال، مما أسقط أهمية التكاليف وأعطاهم حرية في ارتكاب الفسق والفجور، فلم يبق احترامٌ لشيء من الشريعة التي أبلغها الأنبياء منذ آدم وحتى ذلك العهد، وهكذا روّج بولس في رسائله أن حبّ المسيح أصبح بديلاً عن الأحكام، وأن شفاعته بفدائه هي الذخيرة يوم القيامة للأنام. واحتجوا لذلك بأن الإنسان غير قادر على أن يطلب حاجاته من الله تعالى مباشرةً بل لا بد له من واسطة وشفيع يطلب له حاجاته من الله بطريقته التي يعرفها، على عكس الإسلام الذي يعلِّمُ أن لا واسطة بين العبد والربّ وأن على العبد أن يطلب ما يريده من الله مباشرةً كما يقول سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186]. أما بولس فإنه يقول في رسالته إلى أهالي روما (الإصحاح 8/الفقرة 26): «وَكَذَلِكَ الرُّوحُ أَيْضاً يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلَكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا!.»