مقدّمة المترجِم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لِـلَّهِ وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى سيَّما خاتمهم محمد المختار المُجْتَبَى وآله مصابيح الدُّجى وأنوار الهدى، وصحبه أهل التُّقَى والوَفَا، ومن على نهجهم مشى وبهديهم اهتدى وبعد،

فمن أسوأ الآفات التي عانت منها جميع الرسالات السماوية آفة غلوّ بعض أتباعها في أنبيائهم وأوليائهم إلى درجة التأليه الصريح - كما في النصرانية - أو التأليه الضمني بإضفاء الصفات الإلـهية إليهم كما في فرق الغلاة المنتسبين للإسلام، فقد غلا بعض غلاة الصوفية من المنتسبين للسنة (كالبريلوية مثلاً) في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعلوه حاضراً ناظراً في كل زمان ومكان، يسمع دعوة الداعين ويلبي نداءات المستغيثين، ونفوا عنه حقيقة البشرية واعتبروه نوراً من الله وأثبتوا له علم الغيب والعلم بكل شيء بما في ذلك علم الساعة، وغير ذلك من صنوف الغلوّ المخالفة لصريح آيات الكتاب. وبمثل ذلك غلت بعض الفرق من المنتسبين للشيعة في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من آله -عَليهِمُ السَّلام- فنسبوا إليهم تلك الأوصاف وبعضهم زاد في الغلوِّ فنسب للنبي والأئمة تدبير الكون والإحياء والإماتة وتقسيم أرزاق العباد والحكم بينهم يوم المعاد وغير ذلك من صفات الله وأفعاله!! وبعضهم الآخر ألّـهَ الإمام عليَّ بن أبي طالب (ع) أو النبيَّ والأئمة صراحةً كفرقة السبئية وفرقة الخطابية وفرقة النميرية والمفوِّضة وغيرهم من فرق الغلاة.

وقد بذل أئمة أهل البيت -عَليهِمُ السَّلام- جهوداً كبيرةً في فضح أولئك الغلاة وإعلان البراءة من أقاويلهم ومن غلوِّهم هذا في حقِّهم، ولعنوهم وحذَّروا من أخطارهم وأفكارهم، كما بذل علماء الرجال (من الشيعة الإمامية) جهوداً مشكورةً في تعقُّب أولئك الغلاة وفضحهم وبيان أحوالهم وأخبارهم، وقد أجمع علماء الشيعة الأصوليون المحققون على تكفير الغلاة وتضليل أقاويلهم واعتبارهم نجسين، حتى قال مرجع الشيعة الإمامية الأعلى في عصره السيد أبو القاسم الخوئي (رح) في فتواه الشهيرة حول المفوِّضة الغلاة: «..إن الكتاب العزيز (أي القرآن) يدلُّ على أن الأمور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلها بيد الله سبحانه (إلى أن قال): فهذا الاعتقاد [أي الغلوّ والتفويض] إنكارٌ للضروري..فيبتني كفر هذه الطائفة (الغلاة والمفوضة»).

لكن الغلاة تمكّنوا قديماً من دسِّ كثير من الأخبار المختلقة والقصص الملفَّقة الطافحة بالغلوّ بين الشيعة، فبذروا بذلك بذوراً خبيثة للغلوِّ يمكنها أن تُنْبِتُ في كلِّ عصرٍ وزمان غلاةً منحرفين يحيون أقاويل أسلافهم من الغلاة القدماء لاسيما المفوّضة الملعونين على لسان الأئمة الطاهرين، وهذا ما كان يحصل فعلاً، مما كان يضطر العلماء الأصوليين إلى التصدي للتيارات المغالية والتحذير منها ورفض ما تتمسك به من أخبار اعتماداً على القاعدة الذهبية العظيمة التي وضعها الأئمة من آل الرسول -عَليهِمُ السَّلام- وهي العرض على القرآن الكريم، فما وافقه أُخذ به وما خالفه ضُرب به عرض الحائط، فقد وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام نصوص عديدة بهذا المعنى كقولهم «لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق الكتابَ والسُّنَّةَ» و«ما جاءكم من حديث لا يُصدِّقُه كتابُ الله فهو باطل» و«كلُّ شيءٍ مردودٌ إلى كتاب الله والسنَّة، وكلُّ حديث لا يُوافق كتابَ الله فهو زُخْرُفٌ» ونحوها من الروايات(1).

وفي الستينات من القرن الماضي (الميلادي) ظهر في قم/ إيران، شيخٌ من المنتسبين إلى العلم يُدْعى «أبو الفضل النبويّ»، ولقَّبه من نشـر كتابه بلقب آية الله العظمى زوراً وبهتاناً، وألف كتاباً (بالفارسية) سمَّاه «اُمرايِ هستي» (أي أمراء الكون) نحى فيه منحىً مفرطاً في الغلوِّ بـزَّ فيه كلَّ من سبقه من الغلاة!! إذْ جعل فيه المعصومين الأربعة عشـر - على حد قوله - (أي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة الزهراء والأئمة الاثني عشـر -عَليهِمُ السَّلام-) حُكّاماً وأمراء على عالم الوجود يُسَيِّرون جميع الكائنات ويدبِّرون جميع شؤون المخلوقات، فيحيون ويميتون ويرزقون ويشفون، ويقسمون أرزاق العباد ويقومون على شؤونهم... وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم.. واعتبر أن لا شركَ في ذلك لأن كل ذلك يتم بإذن الله لا استقلالاً منهم عن الله!! وَزَعَمَ أن هذه هي الولاية التكوينية المطلقة التي بيَّنها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا[المائدة/55]!!، كما فسّـَر الشفاعة على نحو يجعل النبيَّ والأئمّة أصحاب حق مطلق وكلمة لا تُردّ في إنقاذ جميع من انتسب إليهم ووالاهم من عذاب يوم القيامة ولو أتوا بأعمال شركية وبذنوب كالجبال الرواسي.... إلى غير ذلك من أصناف الغلوّ التي لا يقرِّها قرآن ولا شرع وتتنافى تماماً مع التوحيد الذي هو أساس الإسلام.

فقام الأستاذ الفاضل «حيدر علي قلمداران القُمِّيّ» - الذي يُعَدُّ من أبرز أعلام الاعتدال والتصحيح من الشيعة الجعفرية في إيران في القرن المنصـرم - فردّ عليه ردَّاً شاملاً مبيِّناً مخالفة أقواله للقرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة وتعاليم أئمة العترة النبوية، فألف كتاباً بالفارسية من خمسة مباحث أسماه «راه نجات از شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث التالية:

1- «بحث در ولايت وحقيقت آن» أي بحث في الولاية وحقيقتها.

2- «بحث در اختصاص علم غيب به خدا» أي بحث في اختصاص علم الغيب بالله.

3- «بحث در شفاعت وحقيقت آن» أي بحث في الشفاعة وحقيقتها.

4- «بحث در باره غلاة» أي بحث حول الغلاة.

5- «بحث در باره زيارت» أي بحث حول زيارة المراقد.

وقد ترجمنا المباحث الثلاثة الأخيرة إلى العربية من قبل، وبقي المبحثان الأولان دون ترجمة نظراً لفقدان نسخهما لكن أبناء المؤلف وأصحابه تمكنوا من وجدانهما وأعادوا طباعتهما مع مبحثي الشفاعة والغلو في كتاب واحد منقَّح ومُراجع ومُحَلَّى بحواشي مفيدة وتعليقات لآية الله البرقعي وهو من أصحاب المؤلف ومن يشاركونه في الفكر، كما أضافوا في آخر الكتاب تعليقاً على «رسالة في سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم» لآية الله الشوشتري لارتباطها بموضوع الكتاب، وقد حصلت على نسخة من هذا الكتاب، فقمت بترجمة البحثين الأولين المتبقيين اللذَيْن لم نترجمهما فيما سبق أي «بحث في الولاية وحقيقتها»، و«بحث في اختصاص علم الغيب بالله»، مع الرسالة الملحقة بهما حول «سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم» فكان هذا الكتاب الحالي الذي نقدم له.

وقبل ختام المقدمة أودّ الإشارة إلى أمرين فيها:

الأول: أن حواشي هذه الترجمة إما للمؤلف الأستاذ قلمداران فأُوْرِدَتْ كما هي، أو لآية الله البرقعي فميَّزتُها برمز (البرقعي) في آخرها، أو للمترجم أي كاتب هذه السطور، وهي أغلب الحواشي، وميَّزتُها برمز (تر) في آخرها.

الثاني: أن الترجمة ركَّزت على إيصال المعنى بلغة عربية سلسة أكثر من الترجمة الحرفية، وفي هذا الإطار اقتضت الترجمة أو اقتضى توضيح بعض العبارات والمطالب ذكر جملة أو كلمة من عندي بين معقوفتين [...] بين كلام المؤلف رحمه الله، فليُعْلَم.

اللهَ تعالى أسأل أن يتقبَّل منا هذا العمل، ويعفو عما بدر منا فيه من خطأ وزلل، إنه وليُّ التوفيق، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

 

المترجم

 

الهوامش:

 (1) انظرها لدى الشيخ الكليني، «أصول الكافي»، كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، ج1ص67- 71، والحر العاملي، «وسائل الشيعة»، ج 18/ص 79، الباب 9 من أبواب صفات القاضي. وقد حكم بعض الأساطين، كالشيخ الأنصاري، بتواتر أخبار العرض على الكتاب تواتراً معنوياً كما في كتابه الرسائل، ج1/ص245-247، (أو ص68-69 من الطبعة الحجرية).