اعتراف أبي الفضل النبوي بعدم ادّعاء الأئمّة لمقام الإمارة على الكون! ومحاولته الفاشلة للإجابة عن هذا الإشكال

ثم ذكر آية الله (!) النبوي في الفصل الثالث من كتابه بعض الإشكالات التي قد ترد على ما ذكره من ادعاءات ثم شرع في الإجابة عنها: فقال في الصفحة 80 مثلاً: «من الإشكالات الأخرى التي يطرحها بعضهم أن الأئمة أنفسهم لم يدّعوا أبداً مقام حكم وقيادة العالم والسلطنة على الكون بل كذّبوا قولاً وعملاً كلَّ من ينسب إليهم مثل ذلك، وعلّة ذلك أنّ تلك الولاية والسلطنة المفترضة -كما ذكرنا- إنما تنشأ من كمال العلم والإرادة والعمل، أي لا بد أن يكون شخص الولي من ناحية العلم، محيطاً بجميع الأمور وبجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطَّلعاً على الغيب وعلى ظاهر العالَم وباطنه، لا تخفى عليه خافية ولا يعجز عن الإجابة عن أي سؤال ولا يحتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، كما أنه من ناحية القوة لا يعجز عن التغلّب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره، ويجب عقلاً أن يكون معصوماً ومنزهاً من كل عيب ونقص عمليٍّ ومبرَّأً ومطهَّراً من كلِّ زلَّة وخطأ، كي يتمكَّن من إحراز مقام النيابة عن المنوب عنه الذي هو الله العالِمِ القدير المتَّصف بجميع صفات الكمال والمنزه عن جميع صفات النقص والعجز، ولكي يستحقَّ الخلافَةَ عن المستخلَف وقيادة ملكوت الله»! انتهى كلامه.

وأقول: أولاً: في الجمل المذكورة يقرّ آية الله أبو الفضل النبوي ذاته أن الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- لم يدَّعوا لأنفسهم أبداً مقام التسلُّط على عالم الكون وقيادته وكذَّبوا هذه النسبة وخطَّؤوها قولاً وعملاً. بل إنهم -كما سنرى في بحث الغلو والغلاة من هذا الكتاب- لعنوا لعناً شديداً كرروه مئات وربما آلاف المرات كلَّ من نسب لأحدهم شيئاً من تلك الصفات بل حتى من نسب إليهم ما هو أقل من ذلك، وتبرؤوا منه، وحذَّروا أصحابهم ومحبيهم وشيعتهم من مجالسة أمثال هؤلاء الغلاة الذين ينسبون إليهم تلك المقامات.

لكن العجيب أن «أبا الفضل النبوي» هذا يريد أن يثبت للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- عين ما كانوا يكذِّبونه ويخطِّئون القول به- حسب إقراره نفسه-!!

أجل، كثيراً ما يوجد بين المريدين والأصدقاء أفرادٌ حمقى وجهلاء تدفعهم محبتهم إلى الإساءة إلى محبوبهم، وذلك مثل قصّة الدبّ الذي أنقذه صاحبه من فم الثعبان فأراد أن يكافئ صاحبه على ذلك فلما رآه نائماً ورأى ذبابة تحطُّ على وجهه وتزعجه أخذ صخرةً ورماها على الذبابة فأودى بحياة الرجل! وانطبق عليه المثل الصديق الأحمق عدو! وربما كان سبب ادعاء من ادعى الألوهية من أمثال فرعون وشدَّاد ونمرود وزعماء الملل والنحل الباطلة كالباب والبهاء، هو فرط حماقة مريديهم وأتباعهم. كما نقلوا في أحوال الميرزا «حسين علي البهاء المازندراني» [مؤسس نحلة البهائية الباطلة] أنه قال لأحد مريديه المتحمِّسين ويدعى الميرزا «روح الله»: أيها الميرزا لو أنني أقررت لك أنني لستُ الله هل تكف عن إيمانك بألوهيتي؟ فأجابه الميرزا روح الله قائلاً: كلا يا سيدي! لو فرضنا جدلاً أنك كففت يوماً ما عن قولك بألوهيتك فإنني سأقوم بدعوتك إلى ألوهية نفسك وأثبت لك بالدليل أنك الله!!!

وهنا فإن صاحبنا آية الله النبوي الذي قَرَأَ نفسَه أخبار أهل بيت النبي الأطهار التي يعلنون فيها مراراً وتكراراً براءتهم ممن ينسب إليهم تلك الكفريات ويلعنون أصحابها الغلاة ويكذبونهم، يقول مع ذلك أن الأمر ليس على ظاهره أي أن الأئمة لا يعلمون أنهم آلهة ولكن الحقيقة هي ذلك والآخرون علموا بهذه الحقيقة!!!

ثانياً: لقد ظنّ أبو الفضل النبوي هذا أن القدرة على إدارة أمور العالم وتدبير أمور المخلوقات وكل ما في مُلْكِ الله وملكوته من الأرض والسموات يحتاج فقط إلى «أن يكون الشخص قادراً على الإجابة عن كل سؤال وغير محتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، كما أنه من ناحية القوة لا يعجز عن التغلب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره...»، هذا مع أنه من الممكن أن يوجد بين أفراد البشر بعض من يتصف ببعض تلك الصفات دون أن يؤدي ذلك إلى كونهم الله! هذا رغم أنه مما لا ريب فيه أن الأولياء والأئمة لم يكونوا أبداً متصرفين في الكون والمكان وأن تاريخهم وسيرتهم تشهد أنهم لم يكونوا يملكون أياً من تلك الصفات الإلهية المنسوبة إليهم، كما يُقِرُّ أبو الفضل النبوي ذاته بذلك، حين يقول في الصفحة 81 من كتابه: «ولكننا عندما ندرس تاريخ حياة الأئمة وكيفية معيشتهم نرى أنهم حسب الظاهر لم يكونوا يتمتَّعون بتلك المراتب الثلاثة التي بيناها، بل نجد في حياتهم أموراً توهم خلاف تلك المقامات».

ثم بدأ بشرح عجز الأئمة عن الاتصاف بتلك المراتب، ببيان أنهم كثيراً ما كانوا يُبيِّنون عدم اطلاعهم على بعض الأمور وأنهم كانوا محكومين للظروف المحيطة بهم ومقهورين للطبيعة وحوادث الزمان، ومن ناحية العصمة يمكن أن نجد في أقوالهم ما يخالف ذلك خاصة ضمن أدعيتهم ومناجاتهم لِـلَّهِ حيث يعترفون بذنوبهم ويقرون بخطاياهم!

فأقول: أولاً- حتى لو كان هناك شخصٌ متمتِّعٌ بما ذكرته من أوصاف أي أن يكون محيطاً بجميع الأمور وبجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطلعاً على الغيب وعلى ظاهر العالم وباطنه، لا تخفى عليه خافية ولا يعجز عن الإجابة عن أي سؤال ولا يحتاج إلى غيره لحل أي مشكلة، وقوياً إلى درجة لا يعجزه معها التغلب على أي عدو، ولا يمكن لأي حادثة أن تستأصله ولا لأي كارثة أو مصيبة مالية أو بدنية أن تقهره....الخ.

 أقول حتى في مثل هذه الحالة المفترضة، لا يمكن لم اتصف بذلك أن يكون نائباً عن الله المتصف بجميع صفات الكمال والمنزه عن جميع صفات النقص، ولا أن يكون خليفةً لِـلَّهِ في إدارة ملك الله، لأن الله أعظم وأكبر بكثير وكثير جداً مما تتصوَّره، وإدارة أمور العالم وتدبير عالم الإمكان يحتاج إلى صفات كاملة أكثر بكثير وكثير جداً جداً مما تظنه ومما تذكره من عدم عجزه عن الإجابة عن أي سؤال و.....! هذا بمعزل عن أن الله المتعال لا يحتاج إلى نائب أو وزير أو خليفة لينوب عنه في إدارة أمور مملكته، ومن يقول بمثل ذلك يكون من أسوأ المشركين والكفار!

ثانياً- لدينا أخبار وآثار عديدة عن الأئمة الأطهار -عَليهِمُ السَّلام- تدل على أنهم كانوا يبرؤون من نسبة تلك الأمور إليهم وأنهم كانوا يتأذَّون ممن ينسب إليهم ذلك ويلعنونه ويدعون عليه، وأنهم كانوا يظهرون في مناجاتهم وأدعيتهم كمال العبودية والعجز والتقصير أمام الله. ومع ذلك تأتي أنت [يا أبا الفضل النبوي] لتثبت استناداً إلى عدد من الأحاديث الموضوعة الباطلة التي افتراها بعض الغلاة وأعداء الدين والتي ذكرتَ نماذج عديدة منها في كتابك، أن الأئمة كانوا نوّاب الله وخلفاءه في إدارة أمور ملكه رغم أنه حتى لو صحت جميع تلك الروايات الكاذبة والمغالية فإنها لن تثبت ذلك المعنى الذي تريد إثباته!

فليت شعري! هل تريد أن تقول إن أولئك الأجلّاء الكرام كانوا يظهرون عجزهم وعبوديتهم في خلوتهم مع الله، أما في جلوتهم وأمام الناس فكانوا يدَّعون الصفات الإلهية!! وهذا معناه أنهم كانوا -والعياذ بالله- منافقين مخادعين للعوام!! أي أنهم كانوا مثل فرعون إذا خلا بينه وبين الله عرف عبوديته وأظهرها، أما إذا كان في حضور الناس ادَّعى أنه ربهم الأعلى، خلافاً لموسى -عليه السلام- الذي كان يظهر في خلوته وجلوته عبوديته المحضة لِـلَّهِ، فهل هناك من تهمة أسوأ من ذلك يمكن أن يُتَّهَمَ بها الأئمة -عَليهِمُ السَّلام-؟! والآن لنرى ما هي أدلتك لحل ذلك الإشكال الذي ذكرته:

كتب آية الله أبو الفضل النبوي وهو يتحدث عن موضوع علم الإمام وإحاطته بجميع جهات العالم وجوانبه: «اعلم أن علم أولياء الله إراديٌّ يعني أنهم إذا أرادوا أن يعلموا عَلِمُوا وإذا لم يريدوا أن يعلموا بموضوع ما لم يعلموا به»!

فإن قلنا ما الدليل على أن علمهم إراديٌّ على هذه الصورة؟ أجابونا ببعض الأحاديث المعلولة ذات السند الضعيف المليء بالمجاهيل، وقد أتى العلامة المجلـسي -رحمة الله عليه- في شرحه لأحاديث الكافي في كتابه «مرآة العقول»، بثلاثة من تلك الأحاديث تحت عنوان «باب في أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا» فحكم على اثنين منها بالضعف وعلى الثالث بالجهالة! فليت شعري كيف يمكن إثبات عقيدة مخالفة للعقل والنقل بثلاثة أحاديث ضعيفة ومجهولة؟!

وأما من ناحية العقل فمن المعلوم أن الإنسان متعطِّش بطبيعته للعلم والمعرفة. والعلمُ بكلِّ شيء أفضلُ من الجهل به، فكيف ولماذا لا يريدون أن يعلموا؟!

ومن ناحية النقل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -و هو أفضل المخلوقات - أُمر، كما تفيده آيات القرآن الكريمة، أن يطلب من الله أن يزيده علماً ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه/114]. فكيف يمكننا أن نصدِّق بأمر مخالف للعقل والوجدان ومباين ومضاد لآيات القرآن استناداً إلى مثل تلك الأحاديث الضعيفة المتهافتة؟

الآن لنأتِ إلى الأحاديث التي ذكرها أبو الفضل النبوي واعتبرها دليلاً على ادعائه علم الأئمة بجميع العلوم:

أحدها خبرٌ عن أمير المؤمنين أنه قال لابن عباس في تفسيره لآية البسملة: «أنا نقطة باء بسم الله»!

أقول: إنني مقيمٌ الآن وأنا أخط هذه السطور في فصل الصيف هذا، في قريةٍ من قرى «قُم» (قرية ديزيجان)(61) ولا أملك الوصول إلى مكتبتي حتى أحقق في سند هذا الحديث، لكن رغم ذلك يمكنني الجزم استناداً إلى وقائع التاريخ المسلَّم بها أن هذا الحديث موضوعٌ وكاذبٌ. وأكذَبُ الحديث ما كذَّبه التاريخ! كما يقول الشهيد الثاني -عليه الرحمة- في كتابه «الدراية».

وتوضيح ذلك أنه طبقاً للتواريخ المعتبرة لم يبدأ تنقيط المصاحف أي وضع النقاط فوق أو تحت الحروف ذات النقط إلا في زمن عبد الملك بن مروان [الأموي]، وأما قبل ذلك فلم تكن هناك أي نقطة في نسخ المصاحف المنتشـرة بين أيدي المسلمين، كما نشاهد ذلك اليوم فيما تبقَّى من نسخ مخطوطة قديمة للمصاحف التي تعود إلى ذلك الزمن، حيث لا نجد فيها أيّة نقاط. إذن لم تكن في زمن أمير المؤمنين - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيُّ باء ذات نقطة حتى يقول عن نفسه أنه باء بسم الله! فالحديث بتصديق التاريخ مكذوب مختلقٌ من أساسه(62).

والحديث الآخر الذي أتى به وأراد أن يثبت به العلم غير المتناهي (!) للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- قصة مناظرة الإمام الصادق لأبي حنيفة، وهي قصة مستبعدة يصعب تصديقها رغم ورودها في بعض كتب الحديث! ونعتذر عن تحليل سندها هنا للعلة ذاتها التي ذكرناها أعلاه(63). ولكننا لا يمكننا عقلاً أن نصدق أبداً أن يكون الإمام الصادق في صدد الطعن في الأئمة والفقهاء المعاصرين له ولا أن يكون معادياً لأبي حنيفة الذي كان من محبي الإمام الصادق وكان لا يُخفِي محبته لأهل البيت ونصرته لهم.

ومع ذلك فإن آية الله أبا الفضل النبوي كتب يقول: «سأل الإمام الصادق أبا حنيفة فقال: هل البول أشدُّ نجاسةً أم المنيُّ؟ فقال أبو حنيفة: البول! فقال الإمام: فلماذا وجب الغسل من خروج المنيِّ ولم يجب من خروج البول؟! ثم سأله فقال: يا أبا حنيفة! هل الصلاة أفضل أم الصوم؟ فقال أبو حنيفة: الصلاة. فقال الإمام: فلماذا وجب على الحائض أن تقضي الصوم [ولا تقضي الصلاة]؟! ثم سأله فقال: يا أبا حنيفة! هل إثم قتل النفس أكبر أم الزنا؟ فقال أبو حنيفة: القتل. فقال الإمام فلماذا يكفي لثبوت القتل شاهدان ولا يكفي لثبوت الزنا إلا أربعة شهداء؟ فعجز أبو حنيفة عن الإجابة على جميع تلك الأسئلة وأُفحم ولم يحر جواباً»!!

أقول: يبدو أن آية الله النبوي يرى أن مثل هذا يثبت أهلية الإمام لإدارة الكون والتصرف في عالم الإمكان!! والواقع أنني أعتقد أن مثل هذه المناظرات المُخْتَلَقَة افتُريت مِنْ قِبَل أشخاص متعصِّبين كانوا يريدون إثبات عداوة وهمية بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة وأن يصوروهما خصمين يواجه أحدهما الآخر، كي يتوصلوا من خلال إظهار غلبة الإمام لأبي حنيفة وإفحامه له إلى المباعدة بين أتباع الإمامين أكثر فأكثر! وإلا فإن ما ذُكر من أمور لا يمكن أن تخفى على فقيه مثل أبي حنيفة (رح) أو على عالم يُراد اعتباره عالماً بالكون والمكان ومدبراً لأمور العالم مثل الإمام الصادق (ع)؟!!

والعجيب أن الإمام الصادق نفسه - حسب ادعاء الرواية - لم يجب على تلك المسائل المشكلة (!) واكتفى بالإشكال على كلام أبي حنيفة ونقضه!!

وفيما يلي الإجابة عن هذه المسائل من هذا العبد الفقير إلى الله الذي لا يدعي أي علم وفضل، ويشهدُ الله أنني لم أسمع حتى الآن أي جواب لا عن الإمام الصدق ولا عن غيره عن هذه المسائل، ولكنني بالميزان الذي أملكه من علوم الإسلام الشرعية، أجيب عن تلك الإشكالات إجابة تكفي لإخراج أبي حنيفة -المُتَخَيَّل- من الإفحام الذي ادُّعِيَ أنه وقع فيه. وفي الواقع تكفي لبيان كذب مختلق هذه القصة، وإنما أفعل ذلك انطلاقاً من محبتي الصادقة للإمام جعفر الصادق (ع) وآبائه الكرام -عَليهِمُ السَّلام-.

فأقول: إن قول أبي حنيفة -حسب ادعاء الرواية- أن البول أشدُّ نجاسةً من المنيِّ قولٌ صحيحٌ، لأن العلم والتجربة أثبتتا أن البول أنجس من جميع النجاسات، [حيث يحتوي على جميع الفضلات والسموم التي يطرحها الدم عن البدن] كما أن شرع الإسلام المطهر يقول بذلك إذْ يكتفي في غسل كل نجاسة بعد زوال عينها بغسلها مرَّةً واحدةً إلا البول فإنه يأمر بغسله مرتين على الأقل.

أما لماذا وجب الغسل من خروج المنيِّ ولم يجب من خروج البول؟ فَعِلَّتُه أن عملية قذف المنيّ تتشارك فيها جميع الأعصاب، ولما كانت الأعصاب بمثابة الشبكة المحيطة بجميع البدن، فإننا نجد أنه عند المعاشرة وقذف المني تحدث قشعريرة وارتخاء في جميع أعضاء الجسم، كما يخرج من الإنسان عرقٌ ذو رائحة خاصة بعد قذفه للمنيِّ مما يدلّ على أن جميع البدن اشترك وتفاعل خلال عملية القذف هذه. لذا وجب غسل جميع البدن مرَّةً على الأقل [كي يستعيد البدن نشاطه]. وليس في ذلك ما يتنافى مع كون البول أشدُّ نجاسةً من المنيّ.

أما عن المسألة الثانية التي ادَّعَتْ الروايةُ أن الإمام الصادق سأل أبا حنيفة عنها وهي: هل الصلاة أفضل أم الصوم؟ وإجابة أبي حنيفة بأنها الصلاة! فأقول إن إجابة أبي حنيفة صحيحةٌ تماماً والصلاة أفضل من الصوم فعلاً بدليل العقل والنقل، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رُوي عنه: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة». أما لماذا وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فعلة ذلك أنه لا يوجد في السَّنَة كلِّها سوى شهر واحد للصوم، فإذا حاضت المرأة فيه - ونعلم أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثرها عشرة - وأخذنا بأكثر مدة الحيض، لما وجب على المرأة سوى قضاء صوم عشرة أيام في السنة كلها [وهذا أمر ميسور]، بخلاف الصلاة، التي حتى لو أخذنا بأقل مدة الحيض أي ثلاثة أيام، تترك فيها الحائض الصلاة، وقلنا بوجوب قضائها لوجب على المرأة قضاء مئة وثمانين صلاة في السنة وهذا تكليف شاق والشريعة السمحة السهلة لا تكلف النفس بمثله لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْـرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ [البقرة/185]، و﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج/78]، لذا أُعْفِيَت المرأة من قضاء الصلاة رغم أفضليتها على الصوم.

أما عن سؤال الإمام هل قتل النفس أعظم أم الزنا وإجابة أبي حنيفة بأنه القتل، فإن جواب أبي حنيفة صحيح تماماً، لأن الله تعالى اعتبر في آيات القرآن إثم القتل أكبر من إثم الزنا (سورة المائدة/ 32)(64)، ولأن العقل السليم أيضاً يشهد بهذا بكل وضوح، ومما يدل على ذلك أن حد الزنا -بعد ثبوته- مئة جلدة أما حد القتل فهو القتل. أما لماذا اكتُفي لإثبات القتل بشاهدين في حين لم يكف لإثبات الزنا إلا أربعة شهداء فعلة ذلك أن وقوع القتل معلوم وغير قابل للتشكيك به لذا كل ما يلزم هو معرفة مرتكبه وهذا يمكن أن يتحقق من خلال شاهدين. أما وقوع الزنا فهو أمر غير معلوم وإثباته صعب، ولذلك فإن مجرد وجود امرأة ورجل غير محرم في سرير لا يثبت وقوع الزنا ولا يتم إثبات ذلك إلا بمشاهدة أربعة أشخاص لكيفيةٍ تثبت وقوع الجرم [كالميل في المكحلة] أما سائر الكيفيات كالتقبيل والمعانقة والعري في مكان واحد....الخ فلا تكفي في إثبات وقوع الزنا. إذن تبين أن إثم القتل أكبر من إثم الزنا، رغم ثبوت القتل بشاهدين وحاجة إثبات الزنا إلى أربعة شهود.

ثم إنه من الواضح أن معرفة جواب تلك المسائل لا تجعل صاحبها محيطاً بجميع جوانب عالم الملك والملكوت ومطلعاً على جميع الغيوب وعلى باطن العالم وظاهره!! ولم يكن الإمام الصادق (ع) -إن صحت هذه الرواية عنه- يسعى من خلال طرح تلك الأسئلة إلى إثبات تلك الصفات لنفسه، لأن أبا حنيفة لم يكن يدَّعي ذلك أو ينفيه. فإتيانك بمثل هذه الرواية أمر لا فائدة منه وقد أبعدك عن قصدك مسافات بعيدة!!

وكما قلنا من الظاهر أن من اختلق هذه المناظرة كان يهدف إلى تقوية النزاع الطائفي بين مذاهب المسلمين وتعميق الفرقة بينهم، وإلا فإن أبا حنيفة - كما ذكرنا - كان من محبي الإمام الصادق وسائر أئمة أهل البيت الكرام(65)، كما صرح بذلك الشيخ الطوسي - عليه الرحمة - في كتاب «أسماء الرجال» طبقاً لما رواه العلامة عبد الجليل الرازي في كتابه «النقض» (ص204): «وكان محمد ين إدريس الشافعي من أصحابنا». إذن تبين أن أبا حنيفة والشافعي كلاهما كانا من محبي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم دخل آية الله أبا الفضل النبوي في الصفحة 324 من كتابه في موضوع كيفية علم الإمام فقال: «وأما كيفية علم الأئمة ومقدار علمهم وميزانه فإن هذا المختصر لا يتسع لبيانه وشرحه بشكل وافٍ».

يعني هل لو كان كتابكم مفصلاً أكثر كان بإمكانكم بيان ذلك؟!

ثم أتى لأجل إثبات مدعاه ببعض الأحاديث الواردة في باب علم الإمام في كتاب أصول الكافي والتي تنسب إلى الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- قولهم أننا كذا وكذا....، ومن جملة ذلك حديث تحت عنوان: «بَابٌ فِيهِ ذِكْرُ الصَّحِيفَةِ والْجَفْرِ وَالْجَامِعَةِ وَمُصْحَفِ فَاطِمَةَ (ع)»، ونصه: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَجَّالِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ‏ عُمَرَ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامِي؟؟ قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (ع) سِتْراً بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتٍ آخَرَ، فَاطَّلَعَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ...»(66).

واللطيف في هذا الخبر أن الإمام الذي قيل إنه يعلم بما كان وما يكون - حسب عقيدة الغلاة- ويحيط بجميع عوالم الوجود، لم يكن يعلم بما في الغرفة المجاورة في بيته خلف الستارة ويحتاج إلى إزاحة الستر ليطمئن إلى عدم وجود أحد يسمع كلامه في الغرفة المجاورة!. والأفضل من ذلك أنه لما كان أبو بصير يريد سؤال الإمام عن علم الغيب فإن الإمام بعمله ذاك أجاب عن جميع أسئلته! لأن من يخفى عليه ما يجري في الغرفة المجاورة من بيته كيف تسأله أنت عن علوم الغيب؟! فإن قيل إن رفع الستر الذي قام به الإمام الصادق (ع) كان لأجل أبي بصير كي يرى أن لا أحد في الغرفة المجاورة! فالجواب أن أبا بصير كان أعمى فلم يكن يحتاج إلى رفع الستر للنظر أصلاً. فإذا رفع الإمام الستر فقد فعل ذلك لأجل نفسه وليطمئن إلى عدم وجود أحد.

 ويقول هذا الحديث إن الإمام قال لأبي بصير: «إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ وعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. قَال: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ! هَذَا وَاللهِ هُوَ الْعِلْمُ. قَالَ: إِنَّهُ لَعِلْمٌ ولَيْسَ بِذَاكَ! قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! فَأَيُّ شَيْ‏ءٍ الْعِلْمُ؟! قَالَ: مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِ الْأَمْرِ وَالشَّيْ‏ءُ بَعْدَ الشَّيْ‏ءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ!»(67).

وقال جناب آية الله (!) أبي الفضل النبوي مستنتجاً من هذا الحديث: «بناء على ذلك لا يخفى عن علمهم شيءٌ مهما كان بعيداً في الزمان أو المكان ومحجوباً خلف الأستار فهم مطلعون على ضمائر القلوب وقعر الأرض وأوج السماء وأعماق البحار».

لاحظوا كيف يستنتج من ذلك الحديث الواحد كل هذه النتائج العجيبة والغريبة! ثم يستنتج أيضاً قائلاً: «إن رئيس وزراء البلاط الإلهي لا بد أن يكون مطلعاً على جميع بقاع مملكة الوجود»!!

وأقول: لو صح هذا التشبيه فيجب أن ننتبه إلى أن رئيس الوزراء يجب أن يكون أكثر اطلاعاً من الملك نفسه على أحوال المملكة لأن عدم اطلاع الملك على بقعةٍ من مملكته لا يعيبه بقدر ما يعيب عدم اطلاع رئيس وزراءه على ذلك!

ولكن علينا أن نرى هل يحتاج الله إلى رئيس للوزراء حتى يكون رئيس وزرائه مطلعاً على جميع بقاع مملكته أم لا؟ إن كل مُوَحِّد مؤمن بالقرآن يعتقد أن القول برئيس للوزراء في سلطان الله كفر وشرك!

ثم أورد أبو الفضل النبوي حديثاً من كتاب «بصائر الدرجات» ينسب إلى أمير المؤمنين (ع) قوله: «فقال يا رميلة! ليس من مؤمن يمرض إلا مرضنا بمرضه ولا يحزن إلا حزنَّا بحزنه ولا يدعوا إلا آمنَّا لدعائه!...»(68).

وينبغي أن نقول: أولاً- إن متن هذا الحديث أياً كان مصدره مخالفٌ للعقل ومردودٌ. لأنه إذا كان الأئمة يمرضون لمرض كل مؤمن ويحزنون لحزنه للزم من ذلك أن يكونوا مرضى وحزانى على الدوام وفي جميع الأوقات وأن يزيد مرض كل فرد من الشيعة من شدة مرض الإمام إلى أن تصبح درجة حرارة الإمام مئات آلاف الدرجات المئوية مما لا يتحمّله أي صخر جلمود أو جبل أشمّ، والأمر كذلك بالنسبة إلى حزنهم!!!

اللهم إلا أن نقول: إن شيعة الإمام أفراد قليلون جداً لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة! أو أن نقول إن طاقة الأئمة في تحمل الأمراض طاقة هائلة يمكنهم معها أن يتحملوا مليون درجة حرارة مئوية! وكلا التصورين حماقة وسذاجة!!

ثانياً- إن الكتاب الذي نقل «أبو الفضل النبوي» عنه هذه الرواية، أي كتاب «بصائر الدرجات» المنسوب إلى محمد بن الحسن الصفار، يشتمل على الكثير من الغلو والأباطيل وكثير من الأمور البعيدة عن العقل والإنصاف، إلى درجة أن الشيخ الجليل «محمد بن الحسن بن الوليد» -رحمة الله عليه- الأستاذ الكريم للشيخ الصدوق، والشيخ الصدوق نفسه أيضاً وأبوه، كلُّهم اعتبروا أن ذلك الكتاب ليس من تأليف الصفار بل هو كتاب منحول ولا يستحق الاعتناء به(69).

ثالثاً- راوي تلك الرواية هو «أبو داوود نفيع بن الحارث السبيعي» الذي صرّح المرحوم ابن الغضائري بأن في رواياته مناكير ولا بد من التوقُّف فيها(70). وأورده العلامة الحلي في خلاصته ضمن الضعفاء(71).

رابعاً- في متن الرواية المذكورة أن أمير المؤمنين (ع) قال لرميلة: «يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها»!!.

هل تريد بمثل هذا الحديث المزخرف المنكَر أن تثبت تصرف الإمام وعلمه بما كان وما يكون؟! أم أنك تثبت في الواقع أن الغريق يتشبّث بأي قشة!.

 ثم استنتجَ [أبو الفضل النبوي] من هذا الحديث نتيجة عجيبة غريبة تُعتَبَر كفراً صريحاً فكتب يقول: «والخلاصة إن علم الأئمة كان عين علم الله الذي أشار إليه الربّ عزّ وجلّ بقوله: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ [سبأ/3].»!!

أقول: لم أسمع حتى الآن شركاً بمثل هذه الصراحة. والواقع إن صعوبة تحمُّل مثل هذا الكفر صعوبةً بالغة وعدم إمكانية السكوت عليه، خاصة مثل كلمات الكفر هذه التي تجلبُ المذلَّةَ والشقاءَ لأبناء مذهبنا وديننا ووطننا أمام سائر المسلمين بل لدى جميع عقلاء العالم، هي التي دفعتني إلى تجشُّم عناء القيام بهذا البحث وتحمُّل الأذى الذي سألقاه في سبيله لاسيَّما اتهامات بعض الجلهة من العوام الذين غرَّر بهم بعض آيات الله العظام (!) أولئك، لي، لكي أزيل التهمة عن الشيعة الحقيقيين الصادقين وأبين نزاهة الأئمة [من آل الرسول] الكرام الأجلاء -عَليهِمُ السَّلام- عن مثل هذه النسب الباطلة، متحمِّلاً في هذا السبيل كل ما يمكن أن يقع عليَّ من أذى، لا تأخذني في ذلك لومة لائم. ذلك لأن الأمور قد وصلت إلى درجة تحمل الإنسان على ألا يخاف حتى من القتل والنهب أو الحرق والضرب وأن يشد العزم بكل وسيلة ممكنة لإزالة هذه البدعة ومحاربة الشـرك. ويعلم الله أن الجهاد في هذا السبيل أهم من جهاد الكفار والمشركين وأكثر فائدةً، لأن الفتنة الداخلية أشد خطراً، والعدو أصبح يهاجمنا من داخل بيتنا، وعلينا أن نحذر من العدو الداخلي أكثر من حذرنا من العدو الخارجي! وبالله التوفيق وعليه التكلان وهو المستعان.

عدوى در خانه خنجر تيز كرده       تو از خصم برون پرهيز كرده؟!

[أي] العدو سنَّن حدَّ خنجره في داخل البيت

وأنت مشغولٌ بتوقِّى خصمك الخارجي؟!

 

الهوامش:

(61) هي مسقط رأس المؤلف قلمداران رحمه الله، وهي قرية صغيرة تقع على بعد حوالي 50 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة «قم» وكان المؤلف يقضي فيها الصيف فراراً من شدَّة حرِّ مدينة «قم». (تر)

(62) راجعوا كتابنا «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول»، ص257 و258. (البرقعي)

(63) من رجال سند هذه القصة: «بشير بن يحيى العاملي» وهو مهمل، و«ابن أبي ليلى» وقد ضعّفه بعض علماء الرجال، و«عيسى بن عبد الله القرشي» وهو مهمل أيضاً (البرقعي).

(64) أي قوله تعالى ﴿... مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا... الآية﴾.

(65) قال العلامة عبد الجليل الرازي -رحمة الله عليه- في كتاب «النقض» (130): «امتنع أبو حنيفة عن الإقرار بإمامة أبي جعفر المنصور رغم إصرار الأخير وإلحاحه عليه في ذلك وكان أبو حنيفة يقول: إن الإمامة لزيد بن علي أو جعفر الصادق أو من اختاراه. ولذلك قام أبو جعفر المنصور بسجن أبي حنيفة ثم سمّه في الحبس فمات وهو محبوس. وفضلاء أصحاب أبي حنيفة يعلمون أن أبا جعفر المنصور قتل أبا حنيفة بسبب ولائه لآل الرسول وحبه لهم..... وقد روى عن محمد الباقر وجعفر الصادق وكان موحداً وعدلياً ومتولياً لآل المصطفى وانتقل إلى جوار رحمة ربه.» انتهى. قلت: فقول المؤلف المحترم إن أبا حنيفة كان من محبي الإمام الصادق وأئمة هل البيت الكرام قول صحيح تماماً وقد أيد أبو حنيفة الإمام زيد بن علي بن الحسين في خروجه على هشام بن عبد الملك الأموي. وقال حضرة الإمام الصادق: «رحم الله أبا حنيفة لقد تحققت مودته لنا في نصرته لزيد بن علي». (البرقعي)

(66) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج1/ ص 238 - 239. (تر)

(67) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج1/ ص 240. (تر)

(68) محمد بن الحسن بن فروخ الصفار (290هـ)‏، «بصائر الدرجات»، ط2، انتشارات كتابخانه آية الله مرعشي النجفي‏، 1404هـ‏، ص 259 - 260. (تر)

(69) قال الشيخ الصدوق: «كلما لم يصححه ذلك الشيخ قُدِّس سره ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح». (تنقيح المقال، ج3/ص100).

(70) تنقيح المقال، ج3/ص375. ورجال التفرشي، ص366.

(71) رجال العلامة الحلي، طبع النجف، ص262.