توطئة

الحمدُ لِـلَّهِ ربِّ العالمين، المتفرِّدُ في ألوهيته الذي لا شريك له ولا نظير في الخلق والرزق، هو وحده المحيي المميت، وهو وحده المعبود بحق، لا مُعين له في تدبير أمور خلقه ولا مشير، ولا نائب له ولا وزير. ليس لأحد من مخلوقاته من ملائكته المقربين أو أنبيائه المرسلين أو أوليائه الصالحين طريق إلى أسرار علم غيبه المكنون. لا يُظْهِرُ على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه بالوحي على شيء من أخبار المستقبل أو شذرات من علم ما كان وما يكون ليكون ذلك حجة لرسالته وتصديقاً لنبوته، لطفاً منه بعباده، وتأييداً منه لنبوة من أرسله برسالاته، أما ما سوى ذلك فإنه لا يُسمح لأحد من الخلق بالدخول إلى حرم الغيب الإلهي أو الورود إلى حمى كبريائه اللامتناهية، وخفيات مكنوناته المحجوبة، ومن تطلع من الشياطين إلى هتك حجب الغيب تلقته حرس السماء بشهب النار، فعاد ذليلاً حسيراً وسقط مذموماً مدحوراً.

والصلاة والسلام بلا حدٍّ على النبيِّ المحمود الذي سدّ برسالته الأبدية كل طُرق خداع العوام وإضلال البسطاء واستغلالهم. ولم يحطم الأصنام ويهدم معابد الأوثان فحسب بل أرسى قواعد التوحيد وأحكم بنيانه غاية الإحكام بحيث أن كل من دخل في شرعه ونهل من معين شريعته صار موحّداً كاملاً لا يمكن أن تتطرَّق الوثنيةُ إلى ذهنه ولا أن يأتي إلى مخيِّلته خيال اصطناع أي معبودات زائفة غير الله.

ورغم أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان زبدة الخليقة وكانت ماهيته وصورته مبعث دهشة أهل العلم والحقيقة، إلا أنه كان متواضعاً ومنكسـراً أمام الله إلى درجة أنه كان يهتم بعبوديته لربه تعالى أكثر من اعتزازه برسالته، وبمجرَّد أن سمع بعض المتملّقين يمدحونه بما كانوا معتادين على مدح صناديدهم وكبرائهم به قال: «لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيّاً»(2). وقرَّر بأمر من ربه أن يعلن المسلمون هذا المنصب -منصب العبودية- في كل تشهّد في صلواتهم التي يؤدُّونها صباح مساء حيث يشهدوا أمام ساحة القدس الربوبية الأحدية بعبودية النبيِّ لِـلَّهِ تعالى قائلين: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» مقدمين وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية على وصفه بالرسالة كي يُعلَمَ أن شرف العبودية مُقَدَّمٌ على مقام الرسالة.

كما روى خادمه «أنس بن مالك» أن بعض الناس لما خاطبوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم: «يَا رسول الله! يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا» قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»( 3 ).

كما روى صادق العترة الطاهرة عليه السلام بسند سلسلة الذهب عن آبائه الطاهرين عن أمير المؤمنين - عليه صلوات الله- قال:

«إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على نَفَرٍ من أصحابه فقالوا له مرحباً بسيدنا وَمولانا! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقولوا هكذا وَلكن قولوا مرحباً بنبيِّنا وَرسولِ ربِّنا، قولوا السداد من القول وَلا تغلوا في القول فتمرقوا»( 4 ).

ولما تشرّف وفد «عامر بن صعصعة» بزيارة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وتشرَّفَ وتنوّر بمحضـره المبارك، وقام رجل من الوفد يُدعى «أبو مطرف عبد الله بن الشخّير» فقال: «يا رسول الله! أنت سيدنا وذو الطول علينا»، فاستاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مثل هذا الإطراء وقال: «السيدُ الله، لا يستهوينَّكم الشيطان»(5).

وأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ( 6 ) فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ القَدِيدَ( 7 ).

وقال «أنس بن مالك»: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قَالَ: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا إليه لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ»(8).

وأفضل السلام وأكمل التحيات على آله الأطهار وعترته الأبرار لاسيما رأس سلسلتهم الإمام الكبير حضرة علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه وآله- الذي حذَّر في خطبته «القاصعة» في نهج البلاغة، الناسَ من تقليد ساداتهم وكبرائهم الذين تكبَّروا وترفَّعوا فقال: «وَاعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ وَإِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ وَخَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَاتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ مَسْلَحَةً... [إلى قوله].. أَلَا فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمُ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِم...»( 9 ).

وكما جاء في «نهج البلاغة» وفي الروضة من «الكافي» وفي المجلد الثامن من «بحار الأنوار»أن علياً كان يقول: «وَ إِنَّ مِنْ‏ أَسْخَفِ حَالَاتِ الوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الفَخْرِ ويُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الكِبْرِ وقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ واسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ ولَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ ولَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ ورُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ البَلَاءِ فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ ولَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ البَادِرَةِ ولَا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ ولَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولَا التِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ العَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ العَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي فَإِنَّمَا أَنَا وأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالهُدَى وأَعْطَانَا البَصِيرَةَ بَعْدَ العَمَى»( 10 ).

ومع أن صدره كان صندوقاً للعلوم الإلهية التي تعلَّمها من حضرة خير البريَّة إلا أنه كان يقول عن أسرار الخليقة وسرّ الموت والحياة في آخر لحظات عمره: «وَكَمْ أَطْرَدْتُ الأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأَمْرِ فَأَبَى اللهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ. هَيْهَاتَ! عِلْمٌ مَخْزُون‏»( 11 ).

وكان يُظْهر عدم معرفته بشـيء يجهله الآخرون ويقول للخليفة الثالث: «وَ وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ ولَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ...»(12).

والسلامة والرشاد والهداية والإرشاد لمن سلكوا صراط الله المستقيم الذي هو الحدّ الوسط بين الإفراط والتفريط وابتعدوا عن اليأس من رحمة الله والأمن من مكره فكانوا يطلبون من ربهم الهداية على الدوام ويسألونه أن لا يجعلهم من المغضوب عليهم ولا الضالين.

 

الهوامش:

(2) محمد بن محمد بن الأشعث (قرن 4 هـ)، «الأشعثيات» [ويُسَمَّى أيضاً «الجعفريات»]، ص 181. وَالقطب الراوندي (573هـ)، «النوادر»، ص 16. (تر)

(3) الإسلام في القرن العشرين، ص126. قلتُ (المترجم): أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن أنس بن مالك، 3/153، و3/241. وقال محققه شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن صحابيّه لم يخرج له سوى مسلم. (تر)

(4) «الجعفريات»، ص184.

(5) ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، ج1/ ص332. وانظر سنن أبي داود، (42) كتاب الأدب/(10) باب في كراهية التمادح، ح (4808)، وقال الألباني: صحيح. ومسند أحمد، 4/24 و25. وقال محققه: إسناده صحيح على شرط مسلم. (تر)

(6) (ترعد) أرعد الرجل أخذته الرعدة. والرعدة الاضطراب. (الفرائص) واحدتها فريصة، لحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد من الدابة. وأرعدت فرائصه كناية عن الفَزَع.

(7) سنن ابن ماجه، ح (3312)، 2/1101،، وقال المحقق بعده: «في الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات». وقال الشيخ الألباني: صحيح. (تر)

(8) رواه (بلفظ قريب) الترمذي في سننه، (44) كتاب الأدب عن رسول الله / (13) باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، ح (2754)، وقال قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الشيخ الألباني: صحيح. ورواه أحمد في مسنده: 3/132 و3/250 وقال محققه: صحيح على شرط مسلم. (تر)

(9) نهج البلاغة، الخطبة 192. (تر)

(10) نهج البلاغة، الخطبة 216، والكافي، ج1/ ص123، الحديث 6. (تر)

(11) نهج البلاغة، الخطبة 149، وإثبات الروضة، ص153. (تر)

(12) نهج البلاغة، الخطبة 164، ص 234. (تر)