المعـنى الحقيقي للتوسُّل و«الوسيلة»
إن الحالة التي آلت إليها أعمال «التوسُّل» بالأئمَّة وبذراريهم من الصالحين في مجتمعنا لم تعد حالة مقبولة مطلقاً، وكثير من الأعمال التي يقوم به الناس هي شرك بعشرات الأدلة، إذ إن من المُسَلَّم به أن الله تعالى لم يطلب منا أن نتوسط إليه بأي واسطة في دعائنا إيّاه وطلبنا الحوائج منه، والله - كما تدل عليه آيات القرآن - قريب منا بل أقرب من أي شيء آخر إلينا، ومعلوم عقلاً أن ترك الله الحي القادر العالم بالسـرّ والخفيات والذهاب نحو أشخاص هم عرضة للموت والغفلة والنوم وعدم الإحاطة بالمصالح، عمل لا يمكن تبريره ولا قبوله، هذا بمعزل عن شبهة الوقوع في الشرك الذي يعد أسوأ المعاصي وأشد الذنوب خطراً لأن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فما الحاجة إذن لهذه الطقوس والأعمال التي هي من آثار الأمم الماضية وعادات الأديان والمذاهب الباطلة؟!
ثالثاً- أين نجد في جميع الآيات والأخبار والأحاديث الصحيحة وغير الصحيحة أن الله أمر أحداً بالتوجه على نحو غير مقيد إلى النبيِّ أو الإمام ليتوسل به لأجل قضاء حاجته وشفاء مريضه والحصول على ولد أو نحو ذلك من الطلبات؟! ابحثوا في جميع آيات القرآن وسيرة الأنبياء فلن تجدوا أثراً لهذه الأعمال! فما هذا الاختراع للأصنام ولماذا؟ إنه ليس سوى خيال الإنسان الذي يصنع لنفسه واسطة وشفيعاً لأجل قضاء حاجاته ويصرف هِمَّته إلى مدح هذه الواسطة والثناء عليها وإطرائها والتملق لها وإظهار الحاجة إليها!
وفي مقابل هذا الأمر الواضح نجد أشخاصاً يضربون يمينا وشمالاً ويتشبثون بكل قشة لكي يجدوا رواية تصلح أن يتمسكوا بها كدليل على أعمالهم الشـركية، ولما كانت هناك آيات متشابهات في القرآن الكريم وكان أهل الزيغ يفسّرونها بشكل غير صحيح فينخدع بهم العوام ومن ليس له تدبّر وتحقيق كاف في آيات القرآن، كمن يتمسّك بالآيات المتشابهات مثل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف/84]. أو: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر/22]. أو: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/22، 23]. والتي يستغلها بعضهم ممن وصفهم الله بالذين في قلوبهم زيغ للاستدلال بها على أقوالهم غير الصحيحة كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران/7]، وفي هذا الصدد يتمسكون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة/35]، ويستدلون بها على مرادهم ومقصودهم الشـركي كما كتب أحد المعمّمين في صحيفة «وظيفة» مقالاً هاجمنا فيه بشدة مستنداً إلى هذه الآية! ورغم أن بعض مفسِّري الشيعة مثل «علي بن إبراهيم القمي» فسَّـر «الوسيلة» بـ«الإمام»، ولكن يجب أن ننتبه إلى أنهم فسروا الآية بقولهم: «تقربوا إليه بالإمام أي بطاعته». فالمراد من الوسيلة هي طاعة الإمام والتي هي طاعة أحكام الله التي يبيِّنُها النبيُّ والإمام.
لقد فسر [الفيض الكاشاني] في تفسير الصافي قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء/57] بقوله: «هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القربة بالطاعة». وروى الشيخ الصدوق في كتابه «عيون أخبار الرضا» رواية عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في معنى الوسيلة وأنها بمعنى طاعة الأئمة لا جعلهم وسيلة لطلب الحاجات والشفاعة في الذنوب، فروى بِإِسْنَادِ التَّمِيمِيِّ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ -عَليهِ السَّلام- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ مَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ عَصَاهُمْ فَقَدْ عَصَـى اللهَ، هُمُ العُرْوَةُ الوُثْقَى وَهُمُ الوَسِيلَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(159).
وروى الكُلَيْنِيّ في «الكافي» عن أمير المؤمنين أنه قال في خطبة الوسيلة: «وَاسْأَلُوا اللهَ لِيَ الدَّرَجَةَ الوَسِيلَةَ مِنَ الجَنَّةِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الدَّرَجَةُ الوَسِيلَةُ مِنَ الجَنَّةِ قَالَ هِيَ أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ الجَنَّة»(160). كما أن ابن شهر آشوب روى عن أمير المؤمنين (ع) أيضاً قوله: «أنا وسيلته: أي طاعتي وبيعتي».
وقد جعل أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة (الخطبة 110) الإيمان بالله ورسله والجهاد في سبيله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة و..... وسيلةً فقال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ المُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإِسْلَامِ وَكَلِمَةُ الإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الفِطْرَةُ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا المِلَّةُ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ العِقَابِ وَحَجُّ البَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي المَالِ وَمَنْسَأَةٌ فِي الأَجَلِ وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ وَصَدَقَةُ العَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوء.... إلى آخر الخبر»(161).
فكما نلاحظ، تعاليمُ الأئمَّة تُبيِّنُ أنَّ الوسيلةَ والتوسُّلَ عبارةٌ عن الإيمان بالله وأنبيائه وبما جاؤوا به من أحكام وآيات من عند الله، والجهاد في سبيله. ولا نجد في كلام أحدٍ من الأئمَّة أن التوسل معناه ما ذَهَبَ إليه الغلاة من تفسير اخترعوه من عند أنفسهم، ورغم ذلك نجد الأفراد المكارين والمدلسين، مثل الأشخاص الذين يزوِّرون الوثائق والأوراق الرسمية فيدسون فيها ما فيه فائدة لهم، يفعلون الأمر ذاته بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة فتراهم يدسون بين الروايات التي وضعوها بشأن تفسير بعض آيات القرآن الكريم جملاً وكلمات تحقق مقصودهم وما يرمون إليه ويدَّعون أنَّ الآية نزلت هكذا وتلك الآية نزلت كذلك!! ونظرة إلى كتب الرواية أو تفاسيرهم بالمأثور وما فيها من الروايات الغريبة تُظْهِرُ هذه الحقيقة بأوضح صورة(162).
عندما نُشر مقالي «علل انحطاط المسلمين وطريق الخلاص» في صحيفة «وظيفة» وانقسم الناس بشأنه بين موافق ومعارض، قام أحد المعارضين الذي يعتبر نفسه عالماً وكاتباً بارزاً بالردِّ على أحد الموافقين على مقالتي تلك واستند في مسألة التوسُّل إلى الآية المذكورة من سورة المائدة. وبعد أن كال ما شاء من الشتائم، استند إلى آية: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ...﴾ [البقرة/37] فنقل عن تفسير الدُّرّ المنثور [لجلال الدين السيوطي] خبراً مضمونه أن حضرة آدم (ع) أقسم على الله وسأله: «بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلا تُبْتَ عليَّ فتاب اللهُ عليه».
لكنني رددت فوراً عليه وعلى سائر المنتقدين لمقالتي بمقال أرسلته إلى صحيفة «وظيفة» لكن رئيس تحريرها امتنع عن نشره خوفاً من غائلة المتعصبين والمتاجرين بالدين. وأذكر هنا بشكل مجمل ضعف منطق الشخص الذي ردّ على مقالتي:
أولاً: إن قصدنا من التوسل الخاطئ هو هذه الأعمال التي يقوم بها العوام كل صباح ومساء وهم بعيدون عمن يتوسلون بهم فيطلبون حوائجهم من الأئمَّة أو من الصالحين من أحفادهم وذراريهم، فينذرون لهم النذور ويذبحون لأجلهم القرابين ويطوفون حول مراقدهم ويعتبرونهم مطلعين على أحوالهم وذوات صدورهم، فما علاقة هذا بحضرة آدم (ع) الذي دعا اللهَ تعالى - حسبما رُوي - فقال: أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبتَ عليَّ؟؟
ومتى قلنا إنه لو أقسم شخص على الله بالنبي أو بالأئمة أو بشهداء الإسلام العظام أو حتى بدمع الأيتام وحرقة الأرامل فقد أشرك؟!
ثانياً: إذا كنتَ قد استندتَ إلى خبر من كتب أهل السنة من باب: «الفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأَعْدَاءُ!!» فعليك أن تستند إلى أخبارهم الصحيحة لا إلى أي خبر، أما الاستناد إلى خبر غير صحيح سواء كان منقولاً في كتب السنة أم كتب الشيعة فلا يفيدك شيئاً سوى خداع العوام، وأهل الفنّ يعلمون أن كثيراً من الأخبار الشيعية والسنية قد اختلط بعضها ببعض وقام كل فريق بوضع أحاديث في إثبات معتقده وإبطال عقائد مخالفيه وسرت أحاديث كل فريق إلى كتب الفريق الآخر، فمجرد الاستدلال بمجيء حديث في كتب السنة لا يثبت عقيدة ما.
ثم استدل المؤلِّف المذكور - كالغريق الذي يتشبَّث بكل قشَّة - على لزوم الواسطة بالآية الكريمة: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف/97]، فقال: إذا كان من الممكن لأولاد يعقوب أن يستغفروا الله مباشرةً فلماذا توسلوا بأبيهم وطلبوا منه أن يستغفر لهم؟ واستنتج أن هذه الآية دليل على أنه ليس من الجائز فقط التوسل بالإمام في طلب الحوائج بل إن ذلك لازم وضروري!! ولكي يتبين لنا ضعف كلامه ينبغي أن ننتبه إلى النقاط التالية:
أولاً: إن طلب الاستغفار والتماس الدعاء من الشخص الحي الذي يمكننا الوصول إليه ليس هو التوسل الخاطئ الذي ننتقده، لأن جميع المسلمين مأمورين أن يستغفروا لبعضهم البعض، وقد وردت روايات توصي بمثل هذا الأمر، كالوصية بالاستغفار لأربعين من المؤمنين في دعاء صلاة التهجد، وأمثالها من الروايات، ورُوي عن الإمام الصادق (ع) قوله: «مَنْ قَدَّمَ أَرْبَعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ثُمَّ دَعَا اسْتُجِيبَ لَه»(163)، بل إنَّ النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أُمر بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد/19]، فالتماس المسلم من أخيه أن يدعوا له لا يُعتبَر توسُّلاً، وحتى إن سُمِّيَ توسلاً فهو لا يشبه ما تدعون إليه الناس من ضرورة التوسل بالأئمة وذراريهم وطلب الحوائج منهم!
ثانياً: إن سبب طلب أولاد حضرة يعقوب (ع) من أبيهم أن يستغفر لهم هو الأذى والظلم الذي ارتكبوه بحقه لأنهم آذوا أباهم وحرموه من ابنه العزيز عليه وكذبوا عليه، وكانوا يؤذون أباهم بلسانهم الجارح كلما ذكر يوسف وحنَّ إليه، كما وصفهم تعالى بقوله: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ﴾ [يوسف/85]، وقوله: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف/95]. فعمل أبناء يعقوب اعتذارٌ وطلبٌ للعفو والصفح بشأن تقصيرهم وإذنابهم في حقِّه، لأنه عندما يُذْنِبُ الإنسانُ ذنباً يتعلق بانتهاك حق العباد وظلمهم، لا بد للتوبة منه من إعادة الحق إلى المظلومين وطلب الصفح منهم وسؤالهم أن يستغفروا له ويطلبوا من الله مسامحته.
ثم إن أولاد يعقوب (ع) لم ينادوه من بعيد وهم في مصر بل جاؤوا إليه وهو لا يزال حياً واعتذروا إليه وطلبوا منه أن يستغفر لهم فلم يذهبوا إلى قبره ويطوفوا حوله ويطلبون منه الغفران، فلا يُشبهُ عملُهم ما يقوم به الناس اليوم تحت عنوان «التوسل».
ثالثاً: إن الروايات المنقولة عن الأئمَّة تؤيِّد ما ذكرناه فمن جملة ذلك ما رواه العياشيُّ في تفسيره عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ فَقَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّمَا ذَنْبُهُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم»(164).
وفي «علل الشرائع» للشيخ الصدوق بسنده: «عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الفَضْلِ الهَاشِمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع): أَخْبِرْنِي عَنْ يَعْقُوبَ (ع) لَمَّا قَالَ لَهُ بَنُوهُ ﴿يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾؟ فَأَخَّرَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ، وَيُوسُفَ (ع) لَمَّا قَالُوا لَهُ: ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾؟؟ قَالَ A : لِأَنَّ قَلْبَ الشَّابِّ أَرَقُّ مِنْ قَلْبِ الشَّيْخِ وَكَانَتْ جِنَايَةُ وُلْدِ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ وَجِنَايَتُهُمْ عَلَى يَعْقُوبَ إِنَّمَا كَانَتْ بِجِنَايَتِهِمْ عَلَى يُوسُفَ فَبَادَرَ يُوسُفُ إِلَى العَفْوِ عَنْ حَقِّهِ وَأَخَّرَ يَعْقُوبُ العَفْوَ لِأَنَّ عَفْوَهُ إِنَّمَا كَانَ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ.»(165).
وكلُّنا نعلم أن الله تعالى لا يغفر الذنوب التي في حق العباد إلا بعد رد الحقوق إلى أصحابها، وهناك عدة أحاديث في هذا الصدد، فإذا كان الأمر كذلك فما علاقة هذا بالتوسل غير المعقول الذي تقومون به؟!
رابعاً: لقد نهت آيات القرآن الكريمة الإنسان صراحةً عن التوسل ودعاء غير الله دعاءً غيرَ مقيَّد، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة/5]، وقوله سبحانه: ﴿.. فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن/18]، وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي..﴾ [البقرة/186]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾ [غافر/60]، وآيات أخرى كثيرة.
كما أن أخبار الأئمَّة أيضاً تدلُّ على تأكيد هذا المعنى أي وجوب أن يكون دعاء الله دعاءً مباشراً من غير توسيط واسطة بين العبد والله. لقد وصَّى أمير المؤمنين عليٌّ ابنَه الإمام الحسن - عليهما السلام - فقال له: «...وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ وَتَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْه..» (نهج البلاغة، الرسالة رقم 31).
ويقول الإمام زين العابدين - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دعائه الذي يرويه عنه «أبو حمزة الثمالي»: «وَ الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي وَالْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي لَا أَدْعُو غَيْرَهُ وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي وَالْحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِي لَا أَرْجُو غَيْرَهُ وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي..»(166).
وبناء عليه نلاحظ أن القرآن والأخبار كلاهما يشهدان أن لا حاجة في دعاء الله تعالى إلى واسطة أو شفيع، وهذا إحدى مزايا الإسلام العالية، أنه لا يجعل بين العبد وربه أي وسطاء أو شفعاء، خلافاً للأديان الأخرى، بل يربط الإسلامُ العبدَ بِرَبِّهِ مباشرةً ويدعوه إلى أن يطلب منه حاجاته بشكل مباشر، وقد علَّم الله المسلمين ذلك فقال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت/6].
ولكن وللأسف الشديد لقد دخل إلى شريعة الإسلام على نحو تدريجي كثير من آداب وعادات الملل السابقة كآداب وطقوس المصـريين القدماء والإيرانيين والسومريين والهنود القدماء عن طريق الذين أسلموا طوعاً أو كرهاً من أهالي تلك البلدان أو عن طريق من تظاهروا بالإسلام [وأبطنوا اعتقاداتهم السابقة] فوجهوا بذلك ضربات مهلكة إلى حقائق الإسلام الكفيلة بتأمين السعادة للناس، حتى أصبحنا نرى أغلب آداب تلك الأمم السالفة وعاداتهم وطقوسهم وعقائدهم موجودة بصورة أو أخرى بين المسلمين اليوم، ولا يَعْدَمُ من يقومون بها أن يجدوا عليها دليلاً من حديث أو حديثين موضوعين وذلك مثل عيد النيروز و.... ومثل موضوع «الشفاعة» [الشركية] التي أوقعت في بلاد الإسلام فساداً أكثر مما أوقعته جيوش جنكيزخان وتيمورلنك!
الهوامش:
(160) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 91 / ص 65. (تر)
(161) نهج البلاغة، الخطبة رقم 10.
(162) على سبيل المثال يمكنكم مراجعة كتاب «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول» ص490 إلى 499 وص690 فما بعد. (البرقعي)
(163) الكُلَيْنِيّ، «الكافي»، ج2/ص 509. (تر)
(164) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 12 / ص 318. (تر)
(165) الصدوق، علل الشرائع، ج1/ص 54، والمجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 12 / ص 280. (تر)
(166) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 95 / ص 82-83. (تر) |