مقدِّمة المترجم
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى
آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار
المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، ففي الستينات من القرن الماضي
(الميلادي) قبل حوالي أربعين عاماً ونيِّف نشر أحد الغلاة
المتطرفين من المنتسبين إلى العلم من الشيعة
الإمامية ويُدْعَى آية الله
العظمى السيد أبو الفضل النبوي، في قم/ايران،
كتاباً (بالفارسية) سمَّاه «اُمرايِ
هستي» (أي أمراء الكون) طرح فيه
نظرية الولاية التكوينية المطلقة للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَآلِهِ) والأئمة الاثني عشر من
آله عليهم السلام، واعتبر أن الله جعلهم أمراءَ العالَم ومدبري
شؤونه ومقسمي أرزاق العباد والقَيِّمِين على شؤونهم...
وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم
عليهم.. وأنهم شفعاء شيعتهم ومخلصو مواليهم يوم القيامة وغلا
في مفهوم الشفاعة حتى وكأنها صكٌّ حتميٌّ في الغفران لكل من
انتسب إلى الأئمة واعتبر نفسه من شيعتهم وأقر بلسانه بولايتهم
مهما كانت أعماله وأفعاله حتى ولو لم يقم بشيء من حقوق الله
وانتهك حقوق العباد، ومات مصرّاً على كبائر الذنوب وظلمٍ
وموبقاتٍ تبلغ عنان السماء!!
فقام أحد أعلام الاعتدال من الشيعة الجعفرية،
الأستاذ الفاضل «حيدر علي قلمداران
القُمِّيّ» فردّ عليه ردَّاً
شاملاً مبيِّناً مخالفة أقواله للقرآن الكريم والسنة المطهرة
الصحيحة وتعاليم أئمة العترة
النبوية، فألف كتاباً بالفارسية من خمسة مباحث أسماه «راه
نجات از
شرِّ غلاة» (أي طريق النجاة من شر الغُلاة) ضمَّنه المباحث
التالية
1. «بحث در
اختصاص علم غيب به خدا» أي بحث في اختصاص علم الغيب بالله.
2. «بحث در ولايت
وحقيقت آن» أي بحث في الولاية
وحقيقتها.
3. «بحث در شفاعت
وحقيقت آن» أي البحث في الشفاعة
وحقيقتها.
4. «بحث در باره غلاة»
أي البحث حول الغلاة.
5. «بحث در باره زيارت»
أي البحث حول زيارة المراقد.
ولم يتمكَّن من طبع كتابه جملةً واحدةً،
نظراً لما أوجده حراس الخرافات والغلو من عراقيل أمامه فاضطرَّ
إلى طباعة كلِّ بحث سِرّاً وعلى حدة في بعض مطابع المدن
والبلدات المجاورة لمدينته قم. ثم أعاد عام 1979م. طباعة
البحثين الثالث والرابع أي (بحث شفاعت)
و(بحث غلوّ) في كتاب واحد، وهاأنذا أقدم للقراء الكرام ترجمة
الكتاب أي ترجمة هذين البحثين، بعد أن ترجمتُ فيما سبق بحث
الزيارة (أي زيارة المراقد).
ولا بد في هذا المقام من توضيح بعض النقاط
حول موضوع الشفاعة:
من المعلوم أن الشفاعة من الموضوعات التي
اختلفت فيها وجهات نظر المسلمين منذ قديم الزمان فمع أن الكلَّ
أثبتها يوم القيامة إلا أنهم اختلفوا في مستحقِّها فكان الناس
فيه أقساماً:
1- قسمٌ غلا في إثباتها وجعلها متاحةً
ومضمونةً يقيناً لكلِّ عاصٍٍ ولو مات مُصِرَّاً على كبائر
الإثم والفواحش منتهكاً لحقوق اللهِ والعباد، ومن هؤلاء
المرجئة الذين قالوا لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع
الكفر طاعة ولم يجعلوا الأعمال جزءاً من مفهوم الإيمان، كما أن
منهم غلاة الشيعة الإمامية وغلاة
الصوفية، الذين استندوا في إثباتهم مثلَ هذا المفهوم المغالي
للشفاعة إلى عديد من الروايات والأخبار (الضعيفة)، وفتحوا بذلك
الباب واسعاً أمام المجرمين والعصاة
كي يستمروا مرتاحين في شهواتهم وآثامهم متكلين على هذه الشفاعة
الحتميَّة التي ستأخذهم -فقط لأنهم بالاسم من أمة محمد أو من
شيعة الأئمة من آل الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) -
إلى جنات الرضوان، ولو لم يعملوا خيراً قط وماتوا مصرين على كل
الموبقات والجرائم وكبائر والإثم والفواحش!.
2- وقسمٌ ضيَّقها إلى حدِّ أنه نفاها عن
العاصين المذنبين، وجعلها للمؤمنين الصالحين التائبين فقط،
لزيادة درجاتهم ورفع منزلتهم في الجنة، تفضُّلاً من الله
عليهم، ومن هؤلاء الوعيدية أي
المعتزلة والخوارج، ويمثّلهم في عصرنا الشيعة
الزيدية
والإباضية.
3- وقسم توسط في الأمر فقال إنّ من مات
مصرّاً على الكبائر أَمْرُهُ موكولٌ إلى الله إن شاء عفا عنه
وإن شاء عذَّبه، مع قولهم أنه في الأصل مستحقٌّ للعذاب
ومتعرِّضٌ للوعيد بحسب نصوص الكتاب والسنة، فأثبتوا الشفاعة
يوم القيامة للمذنبين وللتائبين وحتى لأهل الكبائر ممن يشاء
الله أن يغفر لهم بإذنه، مع قولهم بأن الشفاعة عند الله ليست
كالشفاعة عند البشر فَإِنَّ الشَّفِيعَ عِنْدَ الْبَشَرِ
يُؤَثِّر على المشفوع إليه ويُغيِّر قراره ويحمله على تغيير
حكمه، في حين أن اللهَ تعالى لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ
إِلَّا بِإِذْنِهِ، فهو الذي يأمر أولاً بالشفاعة فَالْأَمْرُ
كُلُّهُ إِلَيْهِ، فَلَا يُؤثِّرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِوَجْهٍ.
فَسَيِّدُ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا سَجَدَ
وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ اللهُ: «ارْفَعْ
رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاسْأَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ، فَيَحُدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ»،
فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِـلَّهِ. كَمَا
قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِـلَّهِ ﴾
[آل عِمْرَانَ:154]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ لَيْسَ
لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل
عِمْرَانَ:128]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ
وَالْأَمْرُ ﴾ [الْأَعْرَاف:54]، فلا يشفع أحدٌ لأحدٍ إلا
بإذنه جلَّ وعزَّ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى
﴾ [الأنبياء:28].
وبهذا جعلوا أمرَ الشفاعة والغفران موكولاً
كلَّه إلى الله فلم يُيْـئِسُوا الناس من رحمته الواسعة
القريبة من المحسنين، كما لم يطمِّعُوهم بغفرانه الحتمي
ويؤمِّنوهم من مكر الله على نحوٍ يجرِّئُهُم على الاسترسال في
المعاصي والكبائر دون توبة، بل يبقى العبد بين الخوف والرجاء،
وهذا هو مذهب المعتدلين المحققين من الشيعة وأهل السنة، الذي
يستندون فيه إلى عدد من الأحاديث الصحيحة.
وقد ذهب المؤلف
قلمداران في بعض مناحي بحثه حول الشفاعة إلى نحو هذا
الموقف، بيد أنه نظراً إلى كثرة ما وجده في كتب الروايات لدى
الشيعة الإمامية من الأحاديث
الموضوعة والمكذوبة والأخبار الملفَّقة العجيبة والممجوجة في
موضوع شفاعة النبي والأئمة وفاطمة (عليهم السلام) والتي جُلُّ
رواتها من الغلاة والكذابين، حسب ما تُبَـيِّنُهُ كتبُ علم
الرجال الشيعية ذاتها، تكوَّنت لديه ردَّةُ فعلٍ فأنكر جميع
أحاديث الشفاعة، واقتصر على مفهومها القرآني فحسب، فرأى أن
القرآن الكريم يؤكِّد أن يوم الدين يومٌ لا يُغْنِي فيه مولىً
عن مَولىً شيئاً وَأنَّه يومٌ لا بَيْعٌ فيه وَلا خُلَّةٌ وَلا
شَفَاعَةٌ، وأنَّ الشَّفَاعَةَ لِـلَّهِ جميعاً، وأنه لا يقوم
بها إلا من أَذِنَ اللهُ له القيام بها بحق من ارتضاه الله،
وهم المؤمنون الموحدون التائبون، إذ لا شك أن الله لا يرتضي
أهل الشرك ولا أهل الكبائر المجرمين المصرين على آثامهم، فلما
كانت الشفاعةُ لِـلَّهِ جميعاً فدور النبي والأولياء فيها دورٌ
تشريفيٌّ لإظهار فضلهم ومقامهم فحسب، وليس فيها أي حتمٍ على
الله ولا استقلالٌ بها -أي لم يعطِ الله ُ تعالى بها أحداً
(شيكاً على بياض) كما يُقال- ولا فيها ثَنْيٌ لِـلَّهِ عن
حكمه، ولا إلغاءٌ لإنذاراته ووعيده، ورأى أن شفاعة النبي
والملائكة والمؤمنين هي استغفارهم الذي أمرهم اللهُ تعالى أن
يطلبوه للمؤمنين خلال حياتهم في عالم الدنيا، والذي لن
يَنْتَفِعَ منه يوم القيامة إلا الصادقون في إيمانهم المسلمون
لِـلَّهِ في حياتهم، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فالأمر أوَّلاً
وآخراً موكولٌ لربِّ العزَّةِ
والجلال، الذي بيَّن أنَّ ٍ كُلَّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ، وأنه ليس بأمانِيِّنا
ولا أمانيِّ أهل الكتاب بل مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ
اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيراً. وقد اقترب المؤلّف في بعض ما
ذهب إليه- إلى حدٍّ ما - مِنْ مذهب
الوعيدية من المعتزلة والشيعة
الزيدية أيضاً.
وقد تأكَّد للمؤلِّف هذا المفهوم للشفاعة من
مطالعته لعديد من الأحاديث الواردة عن النبيِّ (صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَآلِهِ) والأئمة الهداة من أهل بيته الكرام عليهم
السلام، ذكرها في هذا الكتاب، أكدوا فيها بأكثر العبارات
صراحةً أنهم لن يغنوا عن أتباعهم
شيئاً وأن لا نجاة لمسلمٍ يوم القيامة إلا بالتقوى والورع
والعمل الصالح.
وخلاصة القول أن المؤلف اجتهد مخلصاً فيما
طرحه من رأيٍ حول المفهوم الصحيح للشفاعة، وقد حالفه الصواب في
نواحٍٍ كثيرةٍ وربّما جانبه الصواب في نواحٍ أخرى، ولا حرج في
ذلك، فالمجتهد مأجورٌ إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ، ما
دام له دليلٌ مسوِّغٌ فيما يذهب إليه من قَول.
هذا وترجمتنا للكتاب لا تعني طبعاً بالضرورة
أننا نتفق معه في كل جزئيةٍ مما قاله، وإن كنا نوافقه في
المفهوم العام للموضوع، وفي رفض الروايات المكذوبة والأحاديث
الموضوعة التي تزكم رائحة الوضع فيها الأنوف، وما تطرحه من
شفاعةٍ استقلاليَّةٍ حتميَّةٍ واسعةٍ مبنية على مجرَّد المحبّة
القلبية والولاء اللساني للأئمة من آل الرسول - عليهم السلام -
فتشمل كل مُدَّعٍ للإسلام والتشيُّع بلسانه مهما كانت أعماله،
حتى ولو كان ممن مات مصرّاً بغير توبة على كبائرَ كالجبال
الراسيات!!، لأن مثل ذلك المفهوم للشفاعة - كما يقول المؤلف -
يقضي على كل إنذارات القرآن ويلغي جميع آيات الوعيد ويناقض
مئات الأخبار النبوية الصحيحة التي تضمَّنت الوعيد الأكيد
لفاعلي كثير من كبائر الآثام المصرّين على أنواع من الموبقات
وأصنافٍ من الفواحش والظلم، كما أن ذلك المفهوم يُفْقِدُ
المعنى من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع وفرض
الأحكام.
هذا
ما أردت توضيحه في هذه المقدمة، أسأل الله تعالى أن يتقبَّل
منا هذا العمل، ويعفو عما بدر منا فيه من خطأ وزلل، إنه وليُّ
التوفيق، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ
الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
المترجم