خطبة المؤلف في الصحن الحسيني المطهَّر في كربلاء
في ذكرى أربعين الحسين عليه السلام عام 1369
هـ ق وعملاً بأمر حضرة العلّامة آية الله محمد
الخالصي(69) - رحمة الله عليه -
قمت أنا العبد الفقير بإلقاء خطبة في الصحن الحسيني في جموع
الزوار من العرب والعجم الذين كان عددهم يربو على عدة آلاف
تساءلت فيها: لماذا رغم هذه الجهود وصرف الإيرانيين لأموالهم
وأوقاتهم في الأمور الدينية، لا نجد حالهم يتحسن ولا نجد أي
ثمرة مفيدة تنعكس على حياتهم تجاه الإسلام؟! واستنتجتُ أن
السبب هو الوضع السيئ والخاطئ للخطاب الديني والتبليغات
الإسلامية التي ابتعدت عن روح الحقيقة وعن جوهر الإسلام وأصبحت
ملوّثة بالأوهام والخرافات فلم يعد الإيرانيون يخرجون بأي ثمرة
مفيدة رغم كل عشقهم وشوقهم لأهل بيت الرسالة وبذلهم كل تلك
الأموال والأوقات لما يظنونه في
اعتقادهم من أهم الأمور الدينية!
فمثلاً هؤلاء الزوار أنفسهم الذين جاؤوا في
مثل هذا العام لزيارة الحسين عليه السلام غير عابئين بجميع
المصاعب والمشاكل التي واجهتهم في طريق السفر، تدفعهم قوة الحب
والإيمان، فصلوا إلى هذه العتبة المقدسة بصدورٍ متألمةٍ وأعينٍ
باكيةٍ، ورغم كل ذلك نجد أن النتيجة التي حصَّلوها من هذا
السفر والجهد ليست سوى إيمانهم بأنهم - طبقاً لما سمعوه من
تبليغاتٍ خاطئة من المشايخ التقليديين - قاموا بإفراغ ما
يحملونه في جعبتهم من أكوام الذنوب فرموها على عتبة الحسين!
ليعودوا إلى بلدانهم وقد غُفرت جميع ذنوبهم مما يسمح لهم أن
يعودوا فيملؤوا أكياسهم من الذنوب
من جديد، أو على الأقل يصيبهم الغرور بأنهم أصبح لديهم من
الحسنات ما يجعلُ اللهَ مديناً لهم!!
وهدية السفر التي يأتون بها لأقربائهم وأبناء
مدنهم وقراهم ليست سوى وصف القباب والمآذن المذهبة الجميلة
وشكل الصحن الحسيني وروعة الضريح وفخامة الأقمشة والسجاد
بالإضافة إلى شيء من البضائع وتمر كربلاء!!
هذا في حين أننا لو كنا نملك تشكيلات صحيحة،
ومنظمة دعوة وتبليغ إسلامية صحيحة، لأخذنا أعظم العبر ولتأثرنا
كل التأثر من مشاهدة مزار أولئك الشهداء الأبطال الذين تلطخت
أكفانهم بالدماء في سبيل الدفاع عن الإسلام وحفظه من عدوان
جنود الشيطان فقدموا أرواحهم رخيصة على طبق الإخلاص في سبيل
معشوقهم الحقيقي الله عز وجل. لو
أن ذلك المشهد ترافق بتبليغ صحيح جدير بهذا المكان لغرس في
قلوب زوار قرابين دين الله أولئك، روحَ التضحية والبذل في سبيل
الله، ولنفخ فيهم العزم على السير على طريق أولئك الرُوَّاد
والهداة وتقديم كل غالٍ ورخيص لإعلاء كلمة الله وإحياء دين
الله كما فعل الحسين وأصحابه!
لو كنا نملك زعماءَ وعلماءَ ومبلغينَ واعين
وأكفَّاء لاستطاعوا غرس روح التضحية في سبيل المجد والشرف
والدين وحفظ حدود الإسلام في نفوس زوار الحسين، وأن ينفخوا في
الذين يشاهدون تلك المشاهد المثيرة للهمم روحَ حب الاستشهاد
كالبركان الثائر والبحر المتلاطم.
فلا يوجد بيانٌ أبلغ ولا لسانٌ أوضح لتشجيع
الناس على التضحية وبذل الروح لأجل الشرف والعزة من مشاهدة
قبور أئمة الدين المجاهدين الملطخة أكفانهم بدم الشهادة في تلك
الصحراء المحرقة حيث كانوا ينازلون أعداء الدين وشفاههم قد
أبرمها العطش ووجوههم قد علاها الإنهاك والغبار في تلك الملحمة
البطولية التي قدموا فيها رؤوسهم وأطرافهم رخيصةً في ميدان
العشق الإلـهي على نحو أدهش ملائكة الملأ الأعلى وحيَّر
الناظرين في عالم الملكوت!
وبدلاً من ذلك الضريح الفخم المزخرف بالذهب
والفضة والجواهر والياقوت أي كل ما يحبه الفراعنة ويتعلق به
الطواغيت، كم كان من الأفضل لو أُبقيت تلك القبور الدارسة لسيد
شهداء كربلاء الحسين أبي الأحرار وأصحابه النبلاء على حالتها
الطبيعية، كي يتذكر الإنسان ولو بنظرة سطحية قطع الأبدان
الممزقة والرؤوس المفصولة عن الأجساد والأرجل والأصابع المقطعة
المتناثرة لفدائيي الإسلام أولئك ويستحضر شفاههم العطشى التي
سقطت قرب نهر الفرات السيّال وهي
تتحسر على جرعة ماء! ويتذكر
أكبادهم التي فتتها العطش وشرايينهم وأوْرِدَتَهم التي جفَّت
فيها الدماء، إن زيارة مثل هذا المشهد كانت كفيلة يقيناً بأن
تشعل في قلب الزائر حرارة العشق الإلهي ذاتها التي حركت أولئك
المجاهدين البواسل وجعلتهم يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل رضا
المحبوب.
ألم يكن أولئك الشهداء هم من يأتي بجراحهم
يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، ببركة تقديمهم
أرواحَهم الغالية في سبيل ما هو أغلى من الروح أي الدفاع عن
الدين والحق والذَبّ عن أهل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه
وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟
لقد
كانوا الفراشات التي احترقت أجنحتها وهي تحيط بالشعلة الحسينية
لا بل كانوا نجوم سماء الهداية
التي تحيط بشمس الشهادة المشعّة، يكتسبون منها النور على
الدوام ليعكسوه إلى عالم البشر... ألا تستطيع مشاهدة قبورهم
النيرة أن تشعّ في قلوب الناظرين المظلمة ذلك النور فتخرجهم من
ظلمات المادية وعبادة الدنيا؟
قسماً بالحق لو استطعنا أن نرفع الستار من
وراء تلك الزخارف والمصابيح والثريات وصفائح الذهب والفضة
وأدوات الزينة التي لا تليق إلا بقبور الملوك وعُبَّاد
الأموات، والتي تحول دون تجليّ مشهد محفل الشهادة ذاك، وأن
ننظر بعين طلّاب الحق إلى حفلة التضحية بالأرواح تلك، لسارعنا
إلى تقديم رؤوسنا وأيدينا على طبق الحب إلى مضيف ذلك الحفل أي
رب العالمين، عساه يتقبلنا لديه
في جوار رحمته الأبدية مع الشهداء والصالحين!
أقسم بالله عليكم أيها
المسؤولون عن تلك الزينات والزخارف، وأسألكم بجمال الله
رب الجمال إلا أزحتم ذلك الضريح الفضي والقطع المذهبة عن تلك
القبور النيرة وأعدتم القمصان الملطخة بالدماء والأكفان
الحمراء إلى أجساد أسود عرين الدين الأعزاء أولئك، وأسمعتمونا
ذلك الرَّجَز الذي كانت شفاههم العطشى تلهث فيه مع أنفاسهم
الأخيرة وهم يسلمون الروح إلى بارئها، عسى ذلك أن يُحيي فينا
من جديد منظر كربلاء ويوم عاشوراء، فيبْرُزُ من بيننا شبابٌ
أعزةٌ أحرارٌ كالحُرِّ بن يزيد الرياحِيّ
التميمي، وشيوخٌ أبطالٌ مثلُ حبيب بن مظاهر
الأسدي، في هذا الزمن الذي يصرخ
فيه جسد الإسلام في أطراف الدنيا وأقصاها: «هل من ناصر ينصرني،
هل من معينٍ يعينني؟» فيهبوا لنصرته لينقذوه من كربة غربته، لا
أن يُعَلِّقَ الزوارُ آمالاً مغرورةً على نيل درجات هائلة من
الأجور وأنواع الثواب تعادل آلاف الحجات والغزوات، فيروا أنهم
أدوا واجبهم نحو الدين وزيادة، فلا حرج عليهم بعد ذلك إن نالوا
نصيباً من الفسق والفساد، فقد صار لديهم من الحسنات والأعمال
الصالحة ما يكفيهم ويعوض تقصيرهم أضعافاً مضاعفة!
كما هو الحال مع الأسف الشديد!
بالله عليكم أزيلوا ذلك الضريح الفضي والذهبي
الذي لا يليق إلا بقبور الملوك والفراعنة وجبابرة الأرض عن
التربة الطاهرة لابن أبي تراب التي ضمت قطع بدنه
المدمّاة، وإن أردتم المزيد
فاطرحوا نموذجاً وشبيهاً لقميصه المدمّى
والممزق بالسهام على قبره الشريف، وعندئذٍ اقرؤوا المرثية
المثيرة للحماس لتعطوا القضية حقها وتجسدوا للناس الساعات
الأخيرة من حياة الحسين أي قصة العشق والفداء لسيد شباب أهل
الجنة وريحانة المصطفى الذي ودّع الدنيا وهو ينظر بقلبٍ يتفطر
حسرة على تلك الأمة وينظر مشتاقاً إلى أبنائه وأخواته ونسائه
الذين تُركوا وحيدين بلا مأوى ولا نصير إلى مصيرٍ مجهول في تلك
البادية أمام جموع الأعداء، متمتماً:
إلهي رضاً بقضائك وصبراً على بلائك!
ألن
يترك هذا أعظم الأثر في بيان عظمة الدين وقيمة التضحية في
سبيله في نظر المسلمين؟؟ وعندئذٍ يمكننا أن نتوقع من زوار
المرقد الحسيني أن يرجعوا بروحٍ مثل روح التوّابين، الذين
عندما رأوا ذلك القبر الغريب في صحراء كربلاء بعد مُضي أكثر من
خمس سنوات على واقعة عاشوراء، اشتعلت في نفوسهم نار الحسرة
والندامة وقرروا أن لا يقرّ لهم قرارٌ حتى يَهَبُوا أرواحهم
وكل ما يملكون في طريق الحسين وخطّه!
مثل هذا المشهد المؤثر يمكن إقامته في
المناسبات، حسب مقتضيات الزمان، في كل سنة مرة أو مرتين، كما
كان يفعل شيعة أهل البيت في الصدر الأول. ولكن يا للأسف
الشديد، إن تلك الدعايات الخرافية والخطاب الديني المنحرف حول
أنواع الثواب التي لا حد لها ولا حصر الذي يناله الزائر بمجرد
زيارته للقبر قد أفرغ القضية من محتواها وحولها إلى مراسم
تقليدية تؤدى بهدف نيل ذلك الثواب العظيم، ولا تترك أثراً
اللهم إلا إنشاء ذهنية مخالفة لآيات القرآن الكريم تُضْعِفُ في
النفس أوامر الدين ونواهيه وتشجِّعها على التعدِّي على أحكام
شريعة خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ، باعتبار أن
الزائر يحصل من عظيم الأجر والثواب ما يغطي كل ما ارتكبه وما
سيرتكبه!.
الهوامش:
(69) هو المرجع المجاهد العلامة الشيخ آية الله محمد بن محمد
مهدي الخالصي (1307 - 1383هـ/1890
- 1963م) من كبار فقهاء الإمامية
ودعاة الإصلاح ونبذ البدع وإحياء معالم الإسلام الأصيل، ومن
العاملين بصدق لأجل الوحدة الإسلامية بين الشيعة والسنة، من
أهل الكاظمية، تفقه في
الكاظمية والنجف واشترك مع أبيه
المرجع محمد مهدي الخالصي، الذي
كان أحد أبرز زعماء الثورة على الاحتلال البريطاني في العراق،
في الثورة ضد الانكليز عام 1920، فنفاه الإنكليز هو وأباه
وعدداً من مراجع الشيعة إلى إيران، فبقي مُبْعَداً فيها ثلاثين
عاماً كانت له فيها صولات وجولات مع طاغيتها الشاه رضا خان
بهلوي، ثم عاد في أواخر عمره إلى
العراق وتوفي في الكاظمية عام
1963. طبع له في حياته نحو 70
كتاباً، منها «إحياء الشريعة في مذهب الشيعة» في 3 أجزاء،
و«الإسلام فوق كل شيء» خطب ومقالات في 4 أجزاء، و«الرأسمالية
والشيوعية في الإسلام». وكان المؤلف «حيدر علي
قلمداران» من محبي الشيخ
الخالصي وتلامذته الفكريين والتقى
به عدة مرات وقام بترجمة بعض كتبه إلى الفارسية. (المترجم)