الإسلام عدو التقليد الأعمى والتعصّب الجاهل

 

لا يخفى على أحد أن التفكير بالعاقبة والمآل والتفريق بين الحق والباطل والتمييز بين الخير والشرّ وبين الحَسَن والقبيح بطريق العقل والعلم من الخصائص التي تميِّز الإنسان عن سائر الحيوانات، وفي الوقت ذاته تُعتَبَر من العوامل المهمّة للرقيّ الماديّ والمعنويّ للإنسان، ومن الواضح أن القيام بتلك الأمور مرتبطٌ بإعمال العقل واستخدام قِوَاه، ولكن ينبغي أن نعلم أن أكثر ما يحجز قوى العقل عن العمل ويحفظها بحالة ركود وتوقف، وفي النهاية يسلب من الإنسان تلك المزايا الإنسانية هو مرض التقليد الأعمى والتعصب الجاهل، ذلك أنَّ الذين يقلِّدون عقائد وأخلاق وأعمال الآخرين في حياتهم تقليداً أعمى ويتَّكِئون في جميع شؤون حياتهم المادية والمعنوية على غيرهم ولا يتخيّلون وجود حقيقة في الدنيا خارج عادات وتقاليد أسلافهم أو أقرانهم، ويقضون على حسّ المحاكمة وقوة التمييز لديهم، ظانين أن سلوك الناس المعاصرين واعتقاداتهم هي ملاك صحة كل شيء، مثل هؤلاء لا يحتاجون إلا قليلاً إلى قواهم العقلية لأنهم لا يعتمدون أساساً على أنفسهم حتى يُعمِلوا النظر في شؤون حياتهم، كما أن الناس الذين يراوحون مكانهم بسبب تعصّبهم وغرورهم لا يهتمون بكل ما يجري في الدنيا حولهم لأنهم يقتصرون على الأخلاق التي ورثوها عن آبائهم أو التي انتقلت إليهم عن طريق تأثير البيئة والتربية الأُسَرِيَّة، فلا يرون أي مزيّة للآخرين، مثل هؤلاء الناس لن يشعروا في حياتهم بأيِّ حاجةٍ إلى إعمال قواهم العقلية بسبب ضعف نفوسهم واقتصارهم على المحافظة على عادات آبائهم وعقائدهم القديمة.

 

لا شكّ أن القوى العقلية والملكات الذهنية لأمثال أولئك الأقوام تبدأ - بعد بقائهم مدّة من الزمن على تلك الحال - بالضعف والاضمحلال تدريجياً، وفي النهاية يبقون في المراحل البدائية للحياة ويعيشون حياةً أشبه بحياة البهائم، وذلك مثل وضع هنود أميركا وأهالي الأسكيمو وأقوام أستراليا الأصليين وبعض القبائل في أدغال أفريقيا الذين لا يزالون يعيشون حالة التوحش البدائية بسبب محافظتهم على عادات وعقائد آبائهم، ولو أن هؤلاء أعملوا قواهم العقلية في شؤون حياتهم مثل سائر الأقوام المتحضّرين في الدنيا لما بقوا على وضعهم الحالي.

 

والخلاصة إن الأقوام الذين يسيطر عليهم التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل لِـما ورثوه عن آبائهم لا يستطيعون التفكير الصحيح نتيجة عدم اعتمادهم على قواهم العقلية وبالتالي يُحرمون من التطوُّر، وليس هذا فحسب بل يفقدون تدريجياً ملكاتهم وأهليتهم الذاتية ويبقون في حالة انحطاط وتأخّر؛ وكما يقول علماء الاجتماع: [كما تتطور ذرات الأجسام وموادها الأولية بفضل قانون الحركة المتواصلة وتتحول إلى صور متنوعة من الأجسام هي التي نراها اليوم، كذلك تتطور مواد جسم المجتمع البشري أي أفراد المجتمع طبقاً لناموس الحركة ذاك وتتحول إلى صور أكثر تقدماً] أي تخرج من حالة التوحُّش والهمجيّة إلى حالة متمدّنة أكثر جمالاً، ولا شك أنها ستترقى في المستقبل إلى وضع أعلى وأكمل أيضاً، أما لو جمدت أقوام الدنيا على عاداتها وعلى تقاليد آبائها القديمة وقلّدت أبناء نحلتها تقليداً أعمى لما وصلت إلى واحد من ألف من الرقي والتطور الحالي الذي وصلت إليه.

 

إذن تبين أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل، كما توصل علماء الاجتماع بعد تتبُّع كثير إلى قاعدة كلّيّة تقول: [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكساً مع قوة العقل والإرادة]، فمثلاً الحيوانات، لا سيما تلك التي تشبه الإنسان كـالشامبانزي والغوريلا، رغم أنها تعيش حياةً اجتماعيةً بصورة قطعان كقطعان الخرفان والغزلان... هي في المرتبة الأولى من ناحية التقليد والجمود، ويأتي بعدها في الدرجة القبائل المتوحشة، ثم يأتي في الدرجة الثالثة الأطفال والنساء والرجال عصبيو المزاج وضعيفو النفس(30). إلى أن يصل الأمر إلى الإنسان الراقي الذي يسيطر عقلُه على عواطفه وتكون روح التقليد الأعمى والجمود الفكري لديه ضعيفةً جداً ويحكمه بدلاً من ذلك ناموس الاقتباس (أي التقليد العاقل والواعي) الذي يُعتبر من أول علامات اكتمال العقل ومن أهم وسائل الرقي والتطور كما يقول القرآن الكريم: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [الزمر:17-18]، فهذا المعنى يشير إلى كمال قوة العقل وأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في انتباههم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد آبائهم وأجدادهم تعصباً وجموداً على وضعهم، كما لا يجعلون قلوبهم محلاً ينعكس فيه كل شيء مهما كان منحطاً أو سيئاً، بل يفتحون أعينهم وآذانهم تجاه كل الحركات والأصوات في الدنيا فما يجدونه حسناً وصالحاً يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتِّبِعونه.

 

 في الحقيقة تركنا جانباً جميع آيات الأخلاق الفردية والاجتماعية في القرآن الكريم، ولم يكن لدينا إلا هذه الآية القصيرة الأخيرة لكانت وحدها كافية لتحقيق سعادة أفراد البشر المادية والمعنوية، لأننا لو لاحظنا بدقة تاريخ تمدّن الإنسان لرأينا أن جميع أنواع الرقيّ الماديّ والمعنوي لعالم اليوم مرتبطة بمفاد ذلك الأمر المقدّس الذي تأمرنا به تلك الآية. فهذا التعليم من أهم تعاليم الرقيّ بمستوى العيش ومن أفضل طرق تربية الأفكار، إنه تعليم ينقذنا من التقليد الأعمى والعصبية الجاهلة التي هي سبب كل انحطاط وشقاء ومصدر كثير من الآلام والنكبات وفي الوقت ذاته يعلّمنا الطريق المستقيم للاقتباس الصالح الذي هو أقصر الطرق لنيل السعادة الفردية والاجتماعية.

 

وبكلمة واحدة، لما كان الإسلام يريد إحداث ثورة فكرية في أعماق روح البشر ينتشلهم من خلالها من حالة الجمود وفقدان الحسّ ويضعهم فيها أقدامهم على جادّة الرقيّ والكمال، ولما كان هدف الإسلام وصول البشر إلى الكمال وهداية عقولهم إلى الكمالات المادية والمعنوية بتحريرها من القيود التي تكبّل حريتها، وكما يقول جوستاف لوبون: [لقد أراد الإسلام إيجاد حضارة جديدة في العالم من خلال ثورة فكرية ومعنوية شاملة]، وفي النهاية لما كان الإسلام يأخذ على عاتقه مهمة تأمين الخير والسعادة لكافة طبقات البشر إلى الأبد، فإنَّه اهتمَّ بكل جدّيّةٍ بهدم أسس التقليد الأعمى والعصبيّة الجاهليّة التي هي أكبر سدّ أمام سعادة البشر، وقد جاءت في ذلك - إضافة إلى هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تتكلّم عن فضيلة العلم وحريّة التفكير-، آياتٌ عديدةٌ أخرى تذمُّ التقليدَ الأعمى والتعصُّب الجاهل كقوله تعالى:

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة:170]،

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة:104].

 

ففي هاتين الآيتين يذمُّ اللهُ تعالى أولئك الذين رفضوا اتّباع دعوة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) لاتِّباعهم ما وجدوا عليه آباءَهم وتقليدهم سنَّةَ أجدادهم.

 

وقال تعالى أيضاً: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:28]، ففي هذه الآية ذمَّ اللهُ سبحانه الذين يجعلون أعمال آبائهم القبيحة ملاكاً لحسن كل شيء ثم ينسبون إلى الله كل عمل قبيح يأتون به بسبب ذلك التقليد!

 

ويقول الحق تعالى في موضع آخر: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:20-23].

 

فنلاحظ كيف يوبِّخ اللهُ تعالى بشدّة أولئك الذين كانوا يعبدون الملائكة لا لشيء إلا لأنهم وجدوا آباءَهم يفعلون ذلك فقلَّدوهم!

 

وهذه الآية الأخيرة، إضافةً إلى منعها التقليدَ الأعمى، تفيدنا معنىً آخر إذْ تُعَيِّنُ لنا ميزاناً محدَّداً في باب العقيدة حيث تقول: إن الذين كانوا يعبدون الملائكة لم يكونوا يملكون أي دليل صحيح أو برهان علمي على صحة عملهم، كما لم يكن لديهم أي كتاب سابقٍ منزّل من الله يتمسكون به في ذلك، بل كلُّ حجتهم اتّباعُهُم لطريقة آبائهم وحفظُهُم لآثار أجدادهم؛ وبالتالي فالآيةُ تبيِّن لنا أن منشأ كلِّ عقيدةٍ لا بدَّ أن يكون إما العلم اليقيني والبرهان القاطع أو الكتابُ السماوي المنزَّل من الله.

 

ويقول سبحانه كذلك: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ﴾ [الصافات:68-71]، ففي هذه الآيات يخبرنا الله بكلِّ وضوح أن مآل الذين يبقون أسرى التقليد الأعمى لعادات وتقاليد وعقائد آبائهم وأجدادهم يظلُّون مقيّدين بأغلال تقليدهم الأعمى وتعصّبهم الجاهل الذي يحبسهم في مستنقع الذلّ والضلال، مآلهم هو الجحيم وعذاب النار. أَجَل هذا هو مقتضى قاعدة: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:72].

 

وهناك آيات أخرى في هذا الموضوع نجدها في قصة حضرة إبراهيم مع قومه في سورة الأنبياء (الآية 53) وسورة الشعراء (الآيات 70-83)، يمكن للقرّاء المحترمين أن يرجعوا إليها.

 

إذن اتَّضَحَ من مجموع كل آيات القرآن الكريم تلك التي أوردناها حول الترغيب بالعلم وبالتعقُّل وبحرية التفكير وحول أهميّة البرهان، وحول مذمّة التقليد والتعصّب؛ أن الإسلام هو دين العلم والعقل والفكر والبرهان، وأنّ الإسلام مضادٌّ بكل معنى الكلمة للتقليد الأعمى والتعصّب واتّباع الظنّ، وبالتالي لا بد على المسلمين أن يتسلّحوا دائماً بسلاح العلم والبرهان، وأن يمتلكوا الاستقلال العقلي وحرية الفكر وقوّة التدبُّر، وأنّ على المسلمين أن يعتمدوا على أنفسهم وعلى الاقتباس الواعي لِـما هو صالح، وأنْ يجتنبوا بشدّة طرق الإفراط والتفريط ويحفظوا التعادل بين حياتهم المادية الجسمية وحياتهم الروحية المعنوية، ويجب عليهم أن يُبْقُوا عواطفهم تحت سيطرة العقل تماماً وأن يجتنبوا بشدَّةٍ اتّباع الظنون والأوهام ويبتعدوا عن التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل، وبالتالي فيجب على المسلم - خاصَّة في أمور العقيدة وما يتعلق بالإيمان -أن يبذل أقصى جهده في تتبع الحقيقة والاجتهاد للوصول للحق، وبكلمة مختصرة يجب على المسلم أن يكون متديناً بشكل حقيقيٍّ واعٍ بدين الإسلام الحنيف!

 

إذا عرفنا أن العقل يحكم بداهةً بحرمة التقليد واتّباع الظن، وأنَّ القرآن الكريم كذلك يحرّم بكل صراحة التقليد الأعمى واتّباع الظنون -لاسيما في الأمور الاعتقاديّة- آن الأوان أن نأتي بآراء وأقوال جماعة من كبار الفقهاء والمجتهدين من الشيعة الإثني عشريّة حول هذه المسألة كي لا يظن القارئ أننا منفردون فيما أوردناه في هذا المجال:

 

يقول المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري أعلى الله مقامه في مبحث حجية الظن من كتابه الأصولي الرسائل، عند بحثه مسألة (اعتبار الظن في أصول الدين) في الصفحة 169 (31) ما نصه: [إن مسائل أصول الدين -وهي التي لا يُطْلَبُ فيها أولاً وبالذات إلا الاعتقاد باطناً والتديُّن ظاهراً وإن ترتَّب على وجوب ذلك بعض الآثار العَمَليّة- على قسمين: أحدهما: ما يجب على المكلَّف الاعتقاد والتديُّن به غير مشروط بحصول العلم كالمعارف الخمسة (أي التوحيد والعدل والمعاد والنبوة والإمامة)، لأن الاعتقاد بها واجبٌ مطلقاً، فيكون تحصيل العلم بها (من ناحية وجوبه) من مقدمات الواجب المطلق، فيجب. (والقِسْم) الثاني: ما يجب الاعتقاد والتديُّن به إذا اتّفق حصول العلم به، كبعض تفاصيل المعارف (الخمسة).

 

أمّا (هذا القِسْم) الثاني، فحيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلميّة، كان الأقوى القول بعدم وجوب العمل فيه بالظن لو فُرِضَ حصوله، ووجوب التوقُّف فيه، للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم والآمرة بالتوقف(32)، وأنه: "إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها. وأهوى بيده إلى فيه"(33). ولا فرق في ذلك بين أن تكون الأمارة الواردة في تلك المسألة خبراً صحيحاً أو غيره. قال شيخنا الشهيد الثاني في المقاصد العليّة - بعد ذكر أن المعرفة بتفاصيل البرزخ والمعاد غير لازمة -: [وأما ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) في ذلك من طريق الآحاد فلا يجب التصديق به مطلقاً وإن كان طريقه صحيحاً، لأن خبر الواحد ظنيٌّ، وقد اختلف في جواز العمل به في الأحكام الشرعية الظنية، فكيف بالأحكام الاعتقادية العِلْمِيَّة](34)، انتهى. وظاهر الشيخ (الطوسي) في (كتابه) العُدَّة: أنَّ عدم جواز التعويل في أصول الدين على أخبار الآحاد اتفاقيٌّ إلا عن بعض غفلة أصحاب الحديث(35). وظاهر المحكيِّ في السرائر عن السيد المرتضى عدم الخلاف فيه أصلاً(36). وهو مقتضى كلام كلّ من قال بعدم اعتبار أخبار الآحاد في أصول الفقه(37])(38).

 

وبعد بيان الشيخ الأنصاري لطريق تميُّز هذا القسم الثاني وبيان عدم اعتبار الظن في الاعتقاد بتفاصيل المعارف الخمسة لأصول الإسلام، وبعد أن نَقَلَ روايات كثيرةً توافق هذا المدَّعى، وصل أخيراً في الصفحة 174 إلى القول: [وأما القسم الأول الذي يجب فيه النظر لتحصيل الاعتقاد، فالكلام فيه يقع تارة بالنسبة إلى القادر على تحصيل العلم وأخرى بالنسبة إلى العاجز، فهنا مقامان: الأول: في القادر والكلام في جواز عمله بالظن يقع في موضعين: الأول: في حكمه التكليفيّ. والثاني: في حكمه الوضعيّ من حيث الإيمان وعدمه، فنقول: أما حكمه التكليفي، فلا ينبغي التأمل في عدم جواز اقتصاره على العمل بالظن، فمن ظنَّ بنبوّة نبيّنا محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ أو بإمامة أحد من الأئمّة صلوات الله عليهم فلا يجوز له الاقتصار، فيجب عليه - مع التفطّن لهذه المسألة - زيادة النظر، ويجب على العلماء أمره بزيادة النظر ليحصل له العلم إن لم يخافوا عليه الوقوع في خلاف الحق، لأنه حينئذ يدخل في قسم العاجز عن تحصيل العلم بالحقّ، فإن بقاءه على الظنّ بالحق أولى من رجوعه إلى الشك أو الظن بالباطل، فضلاً عن العلم به. والدليل على ما ذكرنا: جميع الآيات والأخبار الدالة على وجوب الإيمان والعلم والتفقُّه والمعرفة والتصديق والإقرار والشهادة والتديُّن وعدم الرخصة في الجهل والشكّ ومتابعة الظنّ، وهي أكثر من أن تُحصى. وأما الموضع الثاني: فالأقوى فيه - بل المتعيِّن - الحكم بعدم الإيمان، للأخبار المفسرة للإيمان بالإقرار والشهادة والتديُّن والمعرفة وغير ذلك من العبائر الظاهرة في العلم] إلى آخر كلامه الشريف رحمه الله(39).

 

ويقول المرحوم الشهيد الثاني في (الصفحة 3) (40)من كتابه حقائق الإيمان: [تعريف الإيمان الشرعي: وأما الإيمان الشرعي: فقد اختلفت في بيان حقيقته العبارات بحسب اختلاف الاعتبارات. وبيان ذلك: أن الإيمان شرعاً: إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقط، أو منهما معاً. فإن كان الأول، فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الأشاعرة وجمع من متقدّمي الإماميّة ومتأخّريهم، ومنهم المحقّق الطوسي رحمه الله في فصوله(41)، لكن اختلفوا في معنى التصديق، فقال أصحابنا: هو العلم. وقال الأشعريّة: هو التصديق النفساني، وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر، فهو أمر كسبيٌّ يَثْبُتُ باختيار المصدِّق، ولذا يُثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب، كما في الضروريات. وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين، فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر، حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقاً وإن كان معرفةً، وسنبين إنشاء الله تعالى [قصور] ذلك. وإن كان الثاني، فإمّا أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرّامية، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضاً ونفلاً، وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والغلاة والقاضي عبد الجبار. أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة. وإن كان الثالث، فهو: إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدِّثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا: إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان](42).

 

وبعد بيانه لأدلة المذاهب المذكورة يقول في الصفحة 6:

 

[اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله تعالى بالنظر، وأنها لا تحصل بالتقليد، إلا من شذَّ منهم، كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع، والنبوّة، والعدل وغيرها، بل ذهب إلى وجوبه](43)

 

ثم يقول في الصفحة 57 في باب وجوب معرفة أصول الدين الخمسة:

 

[الأصل الثالث (التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله) وبجميع ما جاء به تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً. وليس بعيداً أن يكون التصديق الإجمالي بجميع ما جاء به عليه السلام كافياً في تحقق الإيمان، وإن كان المكلّف قادراً على العلم بذلك تفصيلاً، يجب العلم بتفاصيل ما جاء به من الشرائع للعمل به. وأما تفصيل ما أخبر به من أحوال المبدأ والمعاد، كالتكليف بالعبادات، والسؤال في القبر وعذابه، والمعاد الجسماني، والحساب والصراط، والجنّة، والنار، والميزان، وتطاير الكتب، مما ثبت مجيئه به تواتراً، فهل التصديق بتفاصيله معتبرة في تحقق الإيمان؟ صرّح باعتباره جمعٌ من العلماء. والظاهر أن التصديق به إجمالاً كاف، بمعنى إن المكلَّف لو اعتقد حقّية كل ما أخبر به عليه السلام، بحيث كلّما ثَبَتَ عنده جزئيٌّ منها صدَّق به تفصيلاً كان مؤمناً.](44).

 

ويقول المرحوم الشيخ الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان في الصفحة 59 ذيل تفسيره لقوله تعالى: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ [الإسراء:٣٦]، بعد نقله لأقوال ابن عباس وقتادة ومحمد بن حنفية: [والأصل أنه عامٌّ في كلِّ قول، وفعل، أو عزم، يكون على غير علم، فكأنَّه سبحانه قال: لا تَقُلْ إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُقال، ولا تفعل إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُفْعَلَ، ولا تعتقد إلا ما تعلم أنه مما يجوز أن يُعْتَقَدَ. وقد استدلَّ جماعةٌ من أصحابنا بهذا على أن العمل بالقياس، وبخبر الواحد غير جائز، لأنهما لا يوجبان العلم، وقد نهى الله سبحانه عن اتباع ما هو غير معلوم](45).

 

فتبيَّن ولِـلَّهِ الحمد أننا لسنا وحيدين في هذا الأمر، وظهر بكل وضوح من النصوص التي ذكرناها، أن التقليد واتباع الظنّ، خاصّة في أمور العقيدة، ممنوعٌ ومحرّمٌ يقيناً وبكلِّ تأكيد، وأن ميزان المسلمين في مجال العقيدة هو الأدلّة العلميّة اليقينيّة فقط، والتي هي العقل السليم والقرآن الكريم والسيرة والسنة المتواترة والمسلّمة لنبي الإسلام والأئمّة الكرام عليهم السلام، أي أنه على المسلم في الدرجة الأولى أن يُحَرِّرَ عقلَه من تأثير وسيطرة الأوهام والعادات وتقاليد الآباء والأجداد وتأثير بيئته المحيطة، ثمَّ عليه أن يضع نصب عينيه القرآن الكريم وسنة النبيّ والأئمّة وسيرتهم القطعيّة فيتخذها نبراساً ويطابق جميع أفعاله القلبية والظاهرية وحالاته الروحية والجسمية على تلك الموازين المتقنة، لا أن يضع على عنقه طوق تقليد الآباء والأقران أو يتّبع كل خبر وحديث دون النظر إلى ثبوته ومعرفة حقيقة مصدره ويتبيَّن أي ملحدٍ افتراه واخترعه، وبالنهاية يجعل دماغه مركزاً للأباطيل والخرافات.

 

وحقِّا إنِّي لَـمُتَحَيِّرٌ فيما أسمِّي به هذه الطريقة التي يتَّبِعُها إخوتي في الدين؟! فهم في الأصول الأولية للدين (مقلّدون للأب والأم)، وفي سائر الاعتقادات (أخباريون) وفي الأحكام العملية والفرعية (أصوليون) وفي العبادات (واصلون للحق) وفي الكسل والبطالة والتخيلات (متَّبعون لفلسفة الفناء في الله الهندية) وفي الأعمال الموافقة لهوى النفس (محبُّو عليّ!) وفي التعبُّد بالسنن وحفظ النواميس الإلهية (أعداء أهل بيت محمّد!) ومع كل تلك العناوين يطلقون على أنفسهم عنوان شيعة عليٍّ وأتباعَ المذهب الجعفري.

 

ويا للأسف! عليٌّ أمير المؤمنين صاحب كل ذلك الزهد والتقوى والشجاعة الممزوجة بالعفّة، وصاحب روح البسالة المقترنة بالعلم والحكمة، وصاحب كل ذلك الاهتمام بالفقراء والضعفاء والقلق لحالهم، عليُّ الذي تحمل كل تلك الأتعاب والمشقات في طريق تحطيم أصنام الظلم والجهل ومحو الأوهام والخرافات، وصاحب كلّ تلك الخدمات التي تحيِّر العقول التي بذلها في سبيل نشر حقائق الإسلام في عالم البشرية والتي قدّم في النهاية روحه فداءً لذلك الهدف، أهكذا تكون طريقة اتِّباعه والتشيُّع له؟!.

 

وجعفر بن محمد الذي كان يجلس بكل رحابة صدر ويناقش الماديين ويأتي على أُسُس المادية فيدحضها، والذي كان يصرف جميع أوقاته الشريفة في نشر معارف الإسلام حتى أنه ربَّى وعلَّم قُرابةَ 4000 تلميذ(46) كان من جملتهم عالم الكيمياء الشهير جابر بن حيان الطرسوسي الذي لا تزال كتاباته تدرس في المجامع العلمية الكبرى في الدنيا الذي تخرج من مدرسته(47)، أليس من المخجل لنا أن ننسب أنفسنا مع هذا الجهل والبعد عن العلم الذي فينا إلى ذلك الإمام؟!

 

حقاً لا توجد مصيبة يعسر تحملها أكثر مما نراه اليوم من اضطرار العلماء النابهين المحققين في معارف الإسلام إلى العزلة، في حين يتولى هذا الأمر الخطير (أي نشر معارف الإسلام) رجال جاهلون حتى وصل الأمر إلى أن يحتلّ منابر رسول الله في المجتمعات الإسلامية أشخاص ليس لهم نصيب من العلم أكثر من معرفة القراءة والكتابة وينسبون بكل جرأة كل حديث باطل وهراء إلى النبيّ والأئمة المعصومين عليهم السلام ويفرضونها على أذهان الناس المساكين!

 

وليت شعري! كيف لا يكون بمقدور شخص أن يصدر حكمه وفتواه بشأن أخبار النجاسة والطهارة إلا بعد أن يصرف عمره في تحصيل علوم مختلفة وبعد أن ينال مقام الاجتهاد الشامخ الذي هو أصعب -حسب قول المرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري- من الجهاد، ويصبح قادراً على تمييز صحيح الأخبار من سقيمها وعلى إبداء الرأي في مدلولاتها والاستنباط الصحيح منها، أما عندما يتعلَّق الأمر بالأخبار والأحاديث المتعلِّقة بأمور العقيدة التي مدارها على العلم واليقين فقط، فَيُكْـتَفى في فهمها والاستنباط منها بمعرفة بسيطة باللغة الفارسية؟؟ هذا مع وجود كل تلك الأخبار الموضوعة في الأمور الغيبيّة والعقائديّة التي افتراها الوضّاعون بدوافع مختلفة منذ صدر الإسلام وحتى اليوم (التي سنذكر لكم بعضها عن قريب) والتي لا تشكِّل الأخبار التي وضعت في الأحكام الفرعية بالنسبة إليها واحداً من ألف، كما أن الغموض الموجود فيها (أي في الأخبار المتعلقة بالغيبيات والأمور العقائدية) لا يوجد مثله في أخبار الفروع!.

 

وباختصار فإن التقليد واتّباع الظن أو العمل بالأدلة الظنية من قبيل خبر الآحاد (حتى ولو كان صحيح السند) أو الإجماع المنقول، أو أي دليل لا يفيد العلم لا يجوز بل يحرم ويمنع في جميع المسائل الاعتقادية سواء كانت أصول الدين الخمسة أو أي أمر مرتبط بالعقيدة.

 

ولأجل رفع سوء التفاهم نرى من الضروري التذكير بنقطة هامة: مشهورٌ بين الشيعة أن على العوام الذين لا يستطيعون الاجتهاد في المسائل الفرعية أن يقلِّدوا المجتهدين في الفقه، لذا فقد يستشكل البعض ويقول: أوليس التقليد ممنوعاً في الإسلام وحراماً؟ ونقول في الإجابة عن ذلك: إننا لو دققنا قليلاً في هذا الأمر لعلمنا أن هذا المعنى ليس في الحقيقة تقليداً بل هو عبارة عن اتباع للعالم وخضوع لعلمه، كما يعتقد علماء الإمامية الكبار بأن التقليد في الأحكام العمليّة هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا الأمر من الأمور الفطرية البديهية والارتكازية لدى البشر، وهذا ما يقرره بصراحة المرحوم الآخوند الخراساني في كتابه الكفاية حيث يقول:

 

[ثم إنه لا يذهب عليك أن جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم في الجملة، يكون بديهياً جبلياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل، وإلا لزم سد باب العلم به على العامي مطلقاً غالباً، لعجزه عن معرفة ما دلَّ عليه كتاباً وسنّةً، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً، وإلا لدار أو تسلسل، بل هذه هي العمدة في أدلته، وأغلب ما عداه قابلٌ للمناقشة..](48).

 

أي أنه لما كان إيجاب استنباط الأحكام العملية على كل فرد يؤدي إلى العسر والحرج ويؤدي بالنتيجة إلى اختلال نظام المجتمع لذا وجب أن يقوم أفراد في كل مجتمع بهذا الواجب ليتمكن الباقون من الرجوع إليهم، كما يُوجب حفظ نظام الاجتماع هذا المعنى ذاته بالنسبة إلى سائر العلوم والقوانين التي يحتاجها البشر في حياتهم.

 

 الهوامش:

(30) علم الاجتماع، ج1/ص92-96.

 

(31) هذا في الطبعة الحجرية القديمة التي كانت لدى المؤلِّف، أما في الطبعة التي رجعتُ إليها لنقل الاقتباس فانظر: (الشيخ مرتضى الأنصاري (1281 هـ)، فرائد الأصول (ويُعْرَف أيضاً بـالرسائل)، تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، ط1، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1419 هـ ، (4 مجلدات)، ج1/ص 555 - 557). (المترجم)

 

(32) راجع الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، 18: 111، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، في وجوب التوقف والاحتياط.

 

(33) انظر الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، 18: 23، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

 

(34) الشهيد الثاني، المقاصد العلية، ص 25.

 

(35) الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، العدَّة ، 1: 131.

 

(36) انظر ابن إدريس الحلي، السرائر 1: 50، وانظر رسائل الشريف المرتضى 1: 211.

 

(37) لأنه إذا لم تكن أخبار الآحاد معتبرة في أصول الفقه فهي غير معتبرة في أصول الاعتقاد من باب أولى.

 

(38) الشيخ مرتضى الأنصاري، الرسائل، ج1/ص 555 - 557. (المترجم)

 

(39) الشيخ مرتضى الأنصاري، الرسائل، ج1/ص 569 - 570.

 

(40) هذا في النسخة القديمة التي كانت لدى المؤلِّف، أما التي رجعت إليها لنقل الاقتباس فانظر: الشهيد الثاني (966 هـ)، حقائق الإيمان، تحقيق السيد مهدي الرجائي، ط1، قم: مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي العامة ، 1419 هـ. ص53-54.

 

(41) أي كتابه: فصول العقائد، ص 48.

 

(42) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان، ص53-54.

 

(43) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان، ص 59.

 

(44) الشهيد الثاني، حقائق الإيمان، ص 148 - 149.

 

(45) الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج 6 / ص 251.

 

(46) انظر: أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج3/ص 63.

 

(47) فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج3/ص 109.

 

(48) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ص472. (المترجم)