ديباجة

 

إن الشيء الوحيد الذي أضعفَ اهتمامَ الناس بالإسلام اليوم وساقَ كثيراً من أبناء الإسلام نحو اللادينية، وفي الوقت ذاته أصبح أكبر مانع من تقدُّم الإسلام، هو الخرافات والأوهام التي اختلطت منذ أمدٍ طويلٍ بحقائق الإسلام الناصعة.

 

إن الإسلام الحالي، الإسلام الذي هُجِرَتْ تعاليمُه الأخلاقية والاجتماعية وسائر تشريعاته السامية الأخرى لتحلَّ محلَّها مجموعةٌ من العادات الباطلة، الإسلام الذي استفحلت فيه كل تلك الخرافات التي لا يمكن قبولها، وضربت الأساطير الباطلة جذورها في كل نواحيه، واحتجبت حقائقه العظيمة خلف آلافٍ من حُجُب الأوهام، والخلاصة الإسلام الذي فقد صورته الجميلة الأولى وأخذ حالياً هذه الصورة المنفرة! كيف يمكننا اليومَ أن ندعو الدُّنيا إليه؟!

 

كيف يمكننا أن نجذب أفكار الناس اليومَ إلى مثل هذا الدِّيْن؟! لا ريب أن أدمغة أبناء العصر الحاضر لم تعد مستعدة لقبول كل هذه الخرافات!

 

وإذا استثنينا جماعاتٍ من المسنّين الذين لا يزالون متمسِّكين بالدِّين بحكم العادة أو لعوامل أخرى، كيف يمكن للناسِ الذين تفتَّحت أعينهم وآذانهم على إثر هذه الثورات العلمية والتغيُّرات الأدبية والاجتماعية في العالم، واستيقظوا إلى حدّ ما، والمجتمع الذي فُتن بمظاهر الحضارة الغربية وأخذت الأفكار العصرية مكانها في أعماق روحه، خاصَّةً أولئك الذين لهم معرفة بالبرهان والمنطق، أن يقبلوا قبولاً أعمى بكل تلك الخرافات؟! إننا نقول بكل صراحة إن مثل هذا الدِّين الذي أصبح ممتزجاً بكل هذه الأباطيل محكومٌ عليه بالفناء والزوال في هذا العالم بأوضاعه الحالية!

 

ويا للأسف! إن الإسلام، ذلك القانون السماوي الأخير الذي اجتثَّ بسرعة البرق شجرة الشرك والوثنيّة وأبلغ أهل الدنيا بصوت واضح انقضاء عهد الشرك وعبادة الأصنام، ورفع لواء التوحيد فوق أنقاض معابد الأوثان الكبرى في الدنيا، انظروا اليوم كيف ظهرت في عالمه مظاهرُ الوثنية ذاتها بأشكال متنوعة جديدة، وكيف تمكنت شجرة الشرك الكبيرة أن تتمدد من جديد في محيط التوحيد وكيف تراخت أمة الإسلام المسكينة وركنت في ظل هذه الشجرة الخبيثة!

 

ذلك الإسلام الذي جعلت شريعته المقدَّسة العلمَ والعملَ عموديها الأساسيين ودَعَتْ جميعَ أفراد البشر إلى إعمال عقولهم والتفكير وإلى السعي والمجاهدة، انظروا كيف أظلَّت عالمه اليوم ظلمة الجهل وكيف غرق أتباعه في الكسل والتخلف!

 

ذلك الدِّينُ الذي جعل هدفه تهذيب النفوس وغايته الأساسية تتميم مكارم أخلاق البشر، انظروا اليوم كيف سقط أتباعه بسبب فساد أخلاقهم في مستنقع الهلاك والشقاء وحلَّتْ بهم الغفلة والضلالة!

 

ذلك الدِّينُ الذي قامت تعاليمه الاجتماعية العظيمة على نواميس العدالة والأخوّة والتعاون، انظروا اليومَ كيف يتعدَّى أتباعه ويتطاولون على بعضهم البعض وكيف صار النفاق والتلّون بوجهين لهم سجية وكيف صارت الأنانية والغرور والعجب بالنفس ديدناً لهم.

 

وذلك النبيُّ الكريم الذي بنى أساس شريعته على الوحدة والاتحاد بين أفراد الأمة والمجتمع، وحذّر بأوضح العبارات من العواقب الوخيمة للتفرُّق والتنازُع، وذكّر بشكلٍ خاصٍّ بالمخاطر والمحذورات المترتّبة على العصبيّة الجاهليّة، انظروا اليوم كيف أصبحنا نرى بأم أعيننا كيف مزَّق الجهلُ والتعصُّبُ حبال الترابط بين أبناء أمته وفرَّق أفراد مجتمعه الإسلاميّ ورَمَى كلَّ فرقةٍِ منهم في ورطة الذل والشقاء!

 

الإسلام الذي اجتثَّ شجرة التقليد الأعمى ونشر في الوقت ذاته ناموس التجدُّد والإحياء في العالم، لاحظوا بكل حسرة كيف رضيَ المسلمون اليومَ أن يضعوا على رقابهم بلا خجل ولا حياء نير التقليد الأعمى للأمم الأخرى، وفقدوا بذلك كل مجدهم وعظمتهم الأولى!

 

الإسلام الذي ألغى كل التمايزات والعناوين الموهومة بين أبناء البشر وجعل المزيَّةَ الإنسانيّةَ الوحيدةَ مزيَّةَ التقوى، انظروا كيف سادت بين أبنائه اليوم التمايزات وكيف تشبَّثَتْ كلُّ جماعةٍ من أبنائه بعناوين موهومة لتبرِّر لنفسها استغلال زحمات وكدح الآخرين بلطائف الحيل!!

 

والخلاصة: ذلك الإسلامُ الذي طهّر صفحة العالم من لوث جميع الخرافات وطوى صفحة الموهومات، لاحظوا بدقَّة كيف حُجِبَتْ حقائقُه النيِّرةُ اليومَ بكلِّ هذه الحُجُب المظلمة من الخرافات، وكيف ابتُلي المسلمون بوضع مخجل حين صاروا مكبَّلين بكل هذه الموهومات!!

 

لذلك كلِّه يجب القيام بأسرع ما يمكن بعملية فَصْلٍ شاملةٍ للخرافات عن الدِّين، ويجب القضاء بكلِّ جدِّيَّة على هذا الخطر الكبير والمرض المهلك (مرض الخرافات والموهومات) الذي يهدِّد الإسلام أي يهدِّد منبع السعادة والفلاح، بشكل كامل. يجب أن ننهض إلى محاربة هذا العدو المهلك. يجب أن نقضيَ على جرثومة الفساد هذه التي انتشرت في عروق وأوردة أفراد مجتمعنا وهي تسوقنا اليوم نحو الزوال والانعدام. يجب حرق بيت المذلة والشقاء هذا. يجب اقتلاع هذه الشجرة الخبيثة من جذورها. وبالإجمال وكيفما كان، يجب أن نطهّر دين الإسلام المقدَّس، الذي هو الوسيلة الوحيدة لتأمين السعادة والسلامة في النشأتين، من لوث جميع الخرافات، وأن نُخْرِجَ حقائق القرآن المقدّس الشامخة من دائرة الأوهام المخجلة، وفي النهاية يجب أن نتمسَّك بكل قوَّة وبمنتهى الاستقامة بحبل الله المتين القرآن الكريم، وأن نطبِّق ونعمل بشريعة الإسلام كما كان عليه الأمر في عهود رُشْد ونموّ الإسلام الأولى، وإلا فَعَلَيْنَا وعلى الإسلام السلام!.

 

أيها الإخوة في الإيمان، يا أمَّة الإسلام! استيقظوا من مهد غفلتكم وجهلكم الذي غفوتم به! انتبهوا قليلاً إلى أوضاع العالم الحاليَّة وإلى وضعكم التعيس الأسود، انظروا كيف أصبحتم مرمىً لسهام المبشِّرين الأجانب المسمومة! وكم من الجراحات المهلكة يوقعونها كل يوم في جسد الإسلام، وكيف يستفيدون من جهلكم فيضعِّفُون إسلامكم ومنبع عزّتكم وسعادتكم بل يسعون للقضاء عليه وإطفاء نوره!

 

وإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز أن تساعدوا أعداءكم بتشبُّثِكم بكل تلك الخرافات وبتلك الأعمال الجاهلة؟؟ تعالوا وارحموا قليلاً حالكم وحال أبناء مستقبلكم ولا تساعدوا على هدم ذاتكم! انتهوا عن هذه الأعمال الجاهلة التي حجبت الإسلام بشكل كامل وسترت حقائقه، وابتعدوا عن كل هذه الخرافات التي لا يمكن قبولها والتي دخلت إلى الدِّين فأصبح كلُّ فريقٍ يعتقد بها بشكل أعمى ويتشبَّثُ بها من كل روحه وقلبه. وفي النهاية دَعُوا الإسلام المسكين بحاله وكُفُّوا عن تشويهه! لأن الإسلام بمبانيه المتقنة وحقائقه النيِّرة إذا تخلّص من أعمالكم الجاهلة هذه وخرج من تحت حُجُبِ الخرافات والأوهام المتراكمة فوقه، فإنه لن يقاوم أشد هجمات الأجانب قوَّةً فحسب، بل من شأنه أن يبسط نفوذه وتأثيره في زمنٍ قصيرٍ على كلِّ المعمورة. وا حسرتاه! إنَّ الإسلامَ محجوبٌ بالمسلمين!

 

أجل، لقد شغل موضوع ضرورة محاربة الخرافات والتعريف بحقائق الإسلام الصحيحة انتباهي وأرّق فكري منذ زمن طويل، حتى جعلتُ منذ ذلك الزمن إنجازَ هذا الأمر دَيْناً وواجباً في عُنُقي، ولا زلتُ أترصَّد الفرصةَ المناسبةَ لأداء هذا الدَّيْن وإنجاز هذا العمل والقيام بهذا الواجب الهامّ، وأحمد الله أني وجدتُ شيئاً من الفراغ المساعد على هذا الأمر فقمتُ بعون الله تعالى بالسعي إلى تحقيق أمنيتي القديمة هذه بقدر الوسع.

 

فاليوم أقوم في هذا الكتاب «إسلام ورجعت» (الإسلام والرجعة) بالتعريف بجانب من مزايا الإسلام وحقائقه الناصعة، وخلال ذلك أبيِّن بعض المسائل الهامة الخاصَّة بالحديث، وأوضِّحُ بعضَ الأمور الدخيلة على الإسلام والتي من جملتها مسألة «الرَّجْعَة»، مستخدماً في ذلك عبارات سهلة وأسلوب ميسّر يفهمه كل قارئ أياً كان مستواه العلمي. هذا ولمّا كانت عقيدة «الرَّجْعَة» قد فتحت باب الدعاوي الباطلة للأشخاص الدجّالين، ولما كان لها تأثيرٌ في نشر العصبيَّة المذهبيَّة، خاصَّةً في بلادنا إيران، كما أنها وجَّهَت في الوقت ذاته صفعةً كبيرةً إلى أركان التشيُّع، فقد عالجتُها في هذا الكتاب أكثر من غيرها.

 

ورغم أن المصلح المعظَّم والعلامة المحترم الشيخ «شريعت سنغلجي»(7) نهض منذ سنوات طويلة بإيمان كامل وعزم راسخ إلى شرح حقائق الإسلام وتوضيحها، وإزالة الخرافات والأوهام، وأبْطَلَ منذ مدَّة مديدة، في مدرسته «دار التبليغ»، عقيدةَ «الرَّجْعَة» ببيانات رائعة وجميلة وأتى عليها من جذورها، إلا أنَّني لمّا لاحظتُ أن هذا المطلب لم يتَّضح بعد وأسيئ فهمه بشكل كامل بل أثّر على جماعات تأثيراً سلبياً، خلافاً لما كان متوقعاً، إذْ جعل تلك العقيدة ترسخ فيهم أكثر من قبل!، ومن الجهة الأخرى فإن بعض الأشخاص المهووسين الذين يصطادون في الماء العكر، والمنتسبين إلى أطراف نعلمها جميعاً قاموا بنشر هذه العقيدة (أي عقيدة الرجعة) التي كانت منذ زمن بعيد مستورةً ضمن مجموعة من الكتب القديمة التي يعلوها الغبار، وطرحوها بين جماهير العامة على أساس أنها من المباني المتقنة للإسلام ومن مقومات فرقة «الإمامية»!، وباختصار لمّا رأيت أن الإسلام قد أُلبِس هذا اللباس المخجل الذي جعل إخوتنا المصريين الأعزّاء وأبناء البلدان الإسلامية الأخرى يهاجموننا نحن «الإمامية» بسبب هذه العقيدة وبسبب مقولات «الغُلاة» الأخرى، أردتُ أن أوضح أن الإمامية براء ومنزهون من هذه المقولة ولذلك اهتممتُ بهذه العقيدة أكثر من غيرها من مقالات «الغُلاة» وصرفتُ مدة في دراستها ودراسة أطرافها بشكل عميق وخرجتُ بهذا الكتاب طبقاً لما سمح به فكري الضعيف، ووضعته أمام إخوتي في الإيمان ليطالعوه.

 

ورغم أنني أعلم أن مثل هذا المبحث غير مستساغ لأغلب الناس لدينا، خاصة لقصيري النظر الذين سوف يلومونني ويهاجمونني بشأنه، وأنا أعلم علم اليقين أنني سأُبْتلى بسبب هذا الطريق الذي سلكته بأشواك كثيرة وبجفاء كثير! فالكل يعلم جيداً إلى أي حدِّ أُشربت في قلوب الناس الأوهامُ والخرافاتُ وأَنِسُوا بها حتى أنهم بمجرد أن يروا شخصاً مُصْلِحاً خَيِّراً قام لإصلاح مفاسدهم، يريد أن يأخذ من أيديهم أقل الأمور من العقائد التي لا أساس لها والعادات الباطلة التي اعتادوا عليها، ترتفع أصواتهم صارخين في كل حدب وصوب واشريعتاه، وامذهباه! ولكن رغم ذلك فإني لن أخشى أحداً في بيان الحق ولن أهابَه، لأن نصيرنا هو الحق والحقيقة، ومُعتَمَدُنا هو الله القادر المتعال وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

طهران- الخامس عشر من شهر جمادى الثاني 1300هـ

 

عبد الوهاب فريد

 

الهوامش:

(7) هو شيخ المؤلف وأستاذه أي المرحوم آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سَنْگِلَجِي (1890م - 1943م) أحد رواد الإصلاح والتصحيح بين الشيعة الإمامية في إيران في عهد الشاه رضا خان البهلوي، كان من الداعين إلى تصحيح العقائد وإصلاح المسار ونبذ الغلوّ والأعمال البدعية المشوبة بالشرك والرائجة بين العوام في عصره، والعودة إلى القرآن الكريم وتوحيده الناصع، وألف في ذلك كُتُباً (بالفارسية) أشهرها: كتاب [كليد فهم قرآن] أي مفتاح فهم القرآن، وكتاب [توحيد عبادت] أي توحيد العبادة، وغيرها، وقد طبعت كتبه عدّة مرات. (المترجم)